التشرد والاعتصام المفتوح.. قصة صمود عاملات النسيج في قلب مكناس
حسين العياشي
دخلت سنة 2026، ولم يتغيّر شيء في حياة عاملات شركة “سيكوميك” للنسيج بمدينة مكناس، سوى ازدياد قسوة الزمن. خمس سنوات كاملة مرّت عليهن وهنّ يعشن التشرد في العراء، يفترشن الكرطون ويلتحفن السماء، تحت شمس الصيف الحارقة وبرد الشتاء القارس. اليوم، ما زلن مرابطات أمام أحد أشهر فنادق المدينة الحمراء، في اعتصام مفتوح دام سنة ونصف متواصلة، في مفارقة موجعة: الفندق يملكه صاحب المعمل نفسه الذي أُغلقت أبوابه في وجوههن.
عاملات قضين أعمارهن بين جدران المصنع، مقابل أجور هزيلة، وجدن أنفسهن فجأة خارج كل حساب، محرومات من أبسط مقومات العيش الكريم، إلى جانب زملائهن من العمال. في غياب أي تدخل فعلي من الجهات المسؤولة، إقليمياً ووطنياً، لم يجدن سوى الشارع ملاذاً أخيراً، يحفظ لهن صوتاً وحضوراً، ولو بثمن البرد والجوع والمرض.
وسط هذا الاعتصام الطويل، تخرج من بينهن أصوات تختصر حجم المأساة. تقول إحداهن في نداء مؤلم نشرته على مواقع التواصل الاجتماعي: “أكتب هذه الكلمات وأنا تحت المطر وفي قلب البرد، أقاوم الألم لأعود إلى الحياة من جديد، بين أبنائي وبين جدران بيتي”. ليست كلمات عابرة، بل شهادة حية على وجع يومي يتجدد دون أفق واضح.
بالعودة إلى جذور الأزمة، تكشف العاملات والعمال أنهم اشتغلوا لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً داخل هذا المعمل، أغلبهم نساء تتراوح أعمارهن اليوم بين 45 و55 سنة. كثيرات منهن بدأن العمل منذ سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يُفاجأن بإغلاق المصنع بشكل مفاجئ وطردهن، مع إبلاغهن بأنهن غير مشمولات بالتغطية الصحية، رغم الاقتطاعات التي ظلت تُخصم من أجورهن لسنوات طويلة لفائدة الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.
وتعود أولى فصول الاحتجاج إلى سنة 2017، حين توقفت الشركة عن العمل لأول مرة. آنذاك، خاضت العاملات اعتصاماً استمر سنة كاملة في الشارع، مطالبات بحقوقهن المشروعة. وجاءت الأزمة، حسب إفاداتهن، عقب تفويت أصول الشركة إلى مؤسسة أخرى، ما أدى إلى حرمانهن من مستحقاتهن المالية ومن التغطية الصحية، وتركهن دون أجر لأكثر من شهرين.
اليوم، وبعد مرور خمس سنوات على بداية التشرد، ما زلن في المكان نفسه، يواجهن قسوة الحياة بأجساد أنهكها العمل الطويل، وبأرواح تصارع الجوع والبرد والمرض. ومع انسداد كل الآفاق، صار شعارهن واضحاً وصريحاً: “الموت ولا المذلة”، بعد أن طرقن كل الأبواب واستوعبن طبيعة الصراع غير المتكافئ بينهن كعاملات وعمال، وبين مالك المعمل.
ورغم سنوات العذاب والتجاهل، لم تنكسر عزيمتهن. على العكس، تحوّل الألم إلى إصرار، والمعاناة إلى وفاء لقضية يعتبرنها قضية كرامة قبل أن تكون مجرد مطالب مادية. فكل يوم اعتصام هو شهادة جديدة على صمود نادر، وعلى جراح نضال لم تندمل.
قصة “سيكوميك” بمكناس ليست حالة معزولة، بل مرآة لأزمة اجتماعية أعمق، تكشف هشاشة أوضاع الشغيلة، خصوصاً النساء، في ظل غياب رقابة فعالة وتراخٍ في حماية الحقوق الأساسية. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى ستظل هؤلاء العاملات أسيرات الشارع؟
يقول أحد المناضلين المتضامنين معهن إن التضامن الشعبي، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، آخذ في الاتساع، لكنه لا يكفي. “المطلوب اليوم هو فعل رسمي عاجل من السلطات الإقليمية، والوزارة الوصية، والنقابات، قبل فوات الأوان. ما تعيشه عاملات سيكوميك ليس قصة فردية، بل رمز لنضال الطبقة العاملة المغربية ضد الظلم الاقتصادي والتهميش الاجتماعي”.










