الجشع العقاري بالمغرب.. حين يتحول البناء إلى عبء حضري

بشرى عطوشي

يشهد المغرب خلال العقد الأخير طفرة عمرانية لافتة، تتجسد في الانتشار المتسارع للإقامات السكنية والمراكز التجارية، خاصة في محيط المدن الكبرى. غير أن هذا التوسع، الذي يُقدَّم في كثير من الأحيان كدليل على التنمية وجاذبية الاستثمار، يخفي وراءه اختلالات عميقة في التخطيط الحضري، ويطرح تساؤلات جدية حول كلفة ما يمكن تسميته بـ«الجشع العقاري» على المدينة والمواطن معًا.

ففي مقابل ارتفاع عدد المشاريع العقارية، يتزايد الشعور بأن منطق الربح السريع أصبح المحرك الأساسي لجزء مهم من هذا القطاع، على حساب الرؤية الشمولية التي تجعل من السكن والخدمات والبنية التحتية عناصر متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. إذ تُشيَّد إقامات سكنية كاملة في مناطق تفتقر إلى الطرق المهيأة، ووسائل النقل العمومي، والمؤسسات التعليمية والصحية، ناهيك عن غياب الفضاءات الخضراء والمرافق الثقافية والرياضية.

ويلاحظ متتبعون للشأن العمراني أن عددًا من المنعشين العقاريين يفضلون الاستثمار في مشاريع ذات مردودية مالية مرتفعة، مثل الإقامات المغلقة والمجمعات التجارية الكبرى، بدل الانخراط في مشاريع تستجيب للحاجيات الحقيقية للطبقة المتوسطة والفئات الهشة. هذا التوجه يخلق مفارقة واضحة: آلاف الشقق المعروضة للبيع أو الكراء، مقابل صعوبة حقيقية في ولوج السكن اللائق والميسر لشرائح واسعة من المواطنين.

كما تلعب المضاربات العقارية دورًا محوريًا في تعميق الأزمة، حيث يتم اقتناء أراضٍ في ضواحي المدن أو إعادة تصنيف أراضٍ فلاحية إلى مناطق قابلة للبناء، في غياب تجهيز مسبق للبنية التحتية. والنتيجة هي توسع عمراني أفقي غير متوازن، يضغط على الموارد العمومية، ويحوّل أطراف المدن إلى تجمعات سكنية معزولة، تعتمد كليًا على مراكز المدن في العمل والخدمات.

ولا تقف آثار هذا الجشع عند حدود السكن فقط، بل تمتد إلى المجال التجاري. فانتشار المراكز التجارية الكبرى في مناطق غير مهيأة يؤدي إلى اختناق مروري، واستنزاف للشبكات الطرقية، وإضعاف النسيج التجاري المحلي، خاصة المتاجر الصغيرة التي لا تستطيع مجاراة هذا الشكل من المنافسة غير المتكافئة.

اجتماعيًا، يساهم هذا النمو غير المتوازن في تعميق الفوارق المجالية، حيث تتشكل أحياء «نائمة» تفتقر للحياة الحضرية المتكاملة، مقابل مناطق أخرى تستفيد من تركيز الخدمات والاستثمارات. كما يؤثر ذلك بشكل مباشر على جودة عيش السكان، الذين يجدون أنفسهم مضطرين لقضاء ساعات طويلة في التنقل اليومي، مع ما يرافق ذلك من إرهاق وتكاليف إضافية.

أمام هذه الوضعية، يبرز سؤال التخطيط الحضري كأولوية ملحة. فالتنمية العمرانية لا يمكن اختزالها في عدد الإسمنت المرفوع أو سرعة إنجاز المشاريع، بل في قدرتها على خلق فضاءات عيش متوازنة، تدمج السكن بالشغل، والخدمات بالبنية التحتية، والربح بالمسؤولية الاجتماعية. ويؤكد خبراء أن أي سياسة عقارية ناجحة يجب أن تنطلق من رؤية شمولية، تجعل من المواطن محور التخطيط، وليس مجرد مستهلك لوحدات سكنية معزولة.

إن الجشع العقاري بالمغرب ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتيجة تداخل مصالح اقتصادية وضعف في التنزيل الصارم لسياسات التعمير. ومع ذلك، يبقى تصحيح المسار ممكنًا، عبر تعزيز الرقابة، وربط الترخيص للمشاريع بتوفير البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتشجيع السكن الميسر، بما يضمن مدينة مغربية أكثر عدالة، وتوازنًا، وإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى