الحصيلة (26): الاستقلالي “امحمد كربوب”.. أسئلة موسمية مقابل واقع محلي متآكل

حسين العياشي
في سلا الجديدة، وتحديدًا بجماعة عامر القروية، لا تحتاج السياسة إلى خطب ولا إلى مهرجانات كي تُعرّف بنفسها؛ يكفي هذا الصمت الطويل الذي تمدّد حتى صار هو العنوان الأبرز للحضور السياسي. هنا يطفو اسم امحمد كربوب، نائب برلماني عن حزب الاستقلال ورئيس جماعة في الوقت نفسه، جمع بين موقعين كان يفترض أن يضعاه في صلب الفعل التنموي والرقابي، لكنه اختار مسارًا آخر: حضور هادئ إلى حد الذوبان، وأداء يكتفي بالحد الأدنى دون أن يترك أثرًا يُذكر.
ثمانية عشر سؤالًا شفويًا خلال أربع سنوات قد تبدو، للوهلة الأولى، حصيلة لا بأس بها في برلمان اعتاد المواطن أن يرى فيه أرقامًا أقرب إلى الصفر. غير أن هذا الرقم، ما إن يُفكك زمنيًا، حتى يفقد بريقه ويتحوّل إلى مادة للسخرية السياسية. في سنة 2022، افتتح النائب ولايته بنشاط محتشم: سؤالان في يناير، يضاف إليهما سؤال ثالث، ثم صمت طويل امتد إلى نهاية السنة، وكأن البرلمان أقفل أبوابه أو أن الملفات نفدت فجأة. سنة 2023 جاءت على نفس الإيقاع الغريب، لكن بوتيرة أكثر اختزالًا؛ شهر فبراير وحده احتضن كل الأسئلة، قبل أن تعود القاعة إلى هدوئها المعتاد. أما 2024، فلم تخرج عن هذا النسق، بثلاثة أسئلة فقط، اثنان منها في فبراير أيضًا، ما يجعل هذا الشهر يستحق بجدارة لقب “موسم الصحوة الرقابية”. وفي 2025، اكتمل المشهد بسؤال يتيم، أقرب إلى إثبات الحضور منه إلى ممارسة فعلية للمساءلة.
هذا الأداء المتقطّع لم يفرض، بطبيعة الحال، أي ضغط حقيقي على الحكومة. فمن أصل 18 سؤالًا، لم تتفاعل سوى مع خمسة فقط، في مشهد يعكس علاقة فاترة بين السؤال والجواب، ويؤكد أن الرقابة حين تُمارس بلا إلحاح ولا متابعة، تتحول إلى إجراء شكلي سرعان ما يُركن في الأرشيف. فالسؤال الذي لا يتحول إلى قضية، ولا يُستثمر سياسيًا أو إعلاميًا، يظل مجرد رقم في سجل برلماني بارد.
الأكثر إثارة للانتباه أن مضامين هذه الأسئلة ظلت، في أغلبها، تدور حول الأراضي السلالية ومساطر البناء وبعض القضايا الجامعية، وكأن جماعة عامر اختُزلت في العقار وحده. لا أثر لأسئلة عن الطرق المتهالكة، أو النقل الغائب، أو الخدمات الاجتماعية الشحيحة، أو العزلة اليومية التي تعيشها الساكنة. انتقائية مريحة، لا تزعج أحدًا، وتنسجم تمامًا مع منطق سياسة بلا احتكاك، حيث يُطرح ما لا يكلّف، ويُترك ما قد يفتح أبواب الإحراج.
وعلى بعد دقائق فقط من العاصمة، تعيش جماعة عامر مفارقة تكاد تكون عبثية. خطابات رسمية تحذّر من هشاشة العالم القروي، ومشاريع استراتيجية تُدشّن في الجوار، وزيارات رسمية تُطلق سباقًا محمومًا مع الزمن لترقيع الطرق وفرش العشب الاصطناعي، في صورة مؤقتة للتنمية لا تصمد طويلًا. فما إن يغادر الموكب الرسمي، حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده: طرق مهترئة، غبار لا ينقطع، نقل شبه منعدم، ودراجات ثلاثية العجلات تقوم مقام الحافلات، في مشهد يلخص فشلًا جماعيًا لا يحتاج إلى تقارير ولا إلى لجان تقصّي.
المفارقة أن من يرأس المجلس الجماعي هو نفسه من يمثل الساكنة تحت قبة البرلمان. جمعٌ في المواقع، لكن دون جمعٍ في النتائج. لا في الجماعة دينامية تنموية واضحة، ولا في البرلمان ضغط رقابي محسوس. إدارة يومية تُسيّر الضروري وتؤجل الجوهري، وحضور برلماني موسمي لا يراكم أثرًا ولا يغيّر واقعًا.
في حالة امحمد كربوب، نحن أمام نموذج سياسي يراكم الصفات أكثر مما يراكم الإنجازات. نائب ورئيس جماعة، لكن بحصيلة لا تعكس هذا الجمع. سياسة الحد الأدنى، حيث يكفي ألا تُغضب، وألا تُحرج، وألا ترفع الصوت أكثر مما ينبغي، لتستمر الأمور كما هي.
وهكذا، تتحول الرقابة البرلمانية إلى طقس روتيني، والتنمية إلى وعد مؤجل، وجماعة عامر إلى عنوان آخر لعالم قروي يعيش على تخوم العاصمة لكنه بعيد عن ثمارها. ويبقى السؤال، بطعم السخرية الثقيلة، معلقًا في الأذهان: إذا كان هذا هو مردود جمع البرلمان بالجماعة، فماذا كان سيختلف لو اكتفى الرجل بمقعد واحد فقط؟





