الحصيلة (27): من العقار إلى مقعد البرلمان.. حصيلة “محمد عواد” أقل من الحد الأدنى السياسي

حسين العياشي

في مدينة سلا، هناك معالم تغيّرت ملامحها مع الزمن، أحياء تمددت، طرق شُقّت، عمران زحف، لكن في المقابل، هناك أسماء سياسية قاومت التغيير بإصرار نادر، ظلت ثابتة في مواقعها كما لو أنها جزء من الجغرافيا، لا من التداول الديمقراطي. أسماء لا تهزها رياح الانتخابات، ولا تُقلقها خطابات المحاسبة، تحضر في المجالس كما يحضر الأثاث العتيق: موجود… فقط لأنه لم يُنقل بعد.

ضيف حلقة اليوم ينتمي إلى هذا الصنف النادر من “الاستمرارية الصامتة”. رجل عرفته سلا منذ سنوات طويلة في المجالس المحلية، دار بينها كما يدور عقرب ساعة متعبة، ثم ختم مساره السياسي بما يعتبره كثيرون “التتويج النهائي”: مقعد برلماني تحت القبة. إنه محمد عواد، رجل الأعمال والمنعش العقاري، الذي انتقل إلى مجلس النواب باسم حزب التقدم والاشتراكية، في أول ولاية تشريعية له، بعد مسار حزبي متعرج، بدأ بالاستقلال، وانتهى ببراغماتية هادئة عند “الكتاب”، عقب شبهات لاحقته إلى جانب أسماء أخرى من تدبير الشأن المحلي بمدينة سلا.

هنا لا نتحدث عن نائب صاخب، ولا عن معارض شرس، بل عن نموذج آخر من العمل البرلماني: نموذج “الاقتصاد في الجهد”. أربع سنوات كاملة من الولاية التشريعية مرت، وكانت الحصيلة.. ثمانية أسئلة شفوية فقط. نعم، ثمانية. رقم يصلح لملصق صغير لا لتقرير سياسي. خمسة أسئلة منها استيقظت فجأة في سنة 2025، كمن يتذكر في آخر الموسم أن له اشتراكاً سنوياً لم يستعمله. سؤالان طُرحا في اليوم نفسه من دجنبر 2023، وكأن الأمر يتعلق بعرض ترويجي “سؤالان بثمن واحد”. أما سنة 2021، فقد حصلت على سؤال يتيم في دجنبر، سؤال بدا وكأنه تحية رأس السنة أكثر منه أداة رقابة. سنوات كاملة مرّت، والبرلمان بالكاد شعر بوجوده.

ثمانية أسئلة مقابل ما يفوق 150 مليون سنتيم من المال العام. مقارنة بسيطة تكفي وحدها لتوليد السخرية: سؤال واحد يقارب ثمن شقة صغيرة في ضواحي سلا، أو تجهيز قسم مدرسي كامل، أو تمويل عشرات فرص العمل المؤقتة. لكن هنا، السؤال لا يُقاس بالأثر، بل بعدد المرات التي قرر فيها النائب مغادرة مقعده ورفع يده.

الكسل البرلماني عند عواد لا يظهر في الأرقام فقط، بل في الإيقاع. أسئلة متباعدة، غير منتظمة، بلا نفس واضح، وكأنها وضعت فقط لتأكيد الوجود الشكلي، لا لمساءلة الحكومة أو إزعاجها. لا تراكم، لا متابعة، لا ضغط، فقط ومضات متقطعة في سجل طويل من الصمت.

وإذا كان هذا الأداء يثير الاستغراب، فإن سيرة الرجل السياسية تضيف طبقات إضافية من المفارقة. نفس الاسم الذي عاد بقوة إلى البرلمان اليوم، هو نفسه الذي فاجأ الجميع سنة 2016 بسحب ترشيحه في آخر لحظة من دائرة سلا المدينة، في واقعة هزت حزب التقدم والاشتراكية آنذاك. الحزب تحدث عن “صدمة”، عن لائحة جاهزة، عن تجاوب شعبي، عن ضغوط وإكراهات، فيما خرج عواد ليبرر انسحابه بأسباب شخصية، ومخاوف عائلية، وتزامن مراجعات ضريبية مع الحملة الانتخابية.

لكن خلف الستار، كانت الروايات أكثر تعقيداً؛ حديث عن صفقات سياسية، عن تنسيق انتخابي، عن دعم غير معلن، وعن ملفات ثقيلة تعود إلى سنوات سابقة، حين كان اسم عواد حاضراً في قضايا معروضة أمام محكمة جرائم الأموال، مرتبطة بتبديد أموال عمومية وتزوير محررات وشطط في استعمال السلطة، في ملف جماعي عرفته سلا سنة 2010، وشمل منتخبين ومستشارين.

اليوم، وبعد كل هذا التاريخ، وبعد سنوات من الدوران داخل المجالس، يصل محمد عواد إلى البرلمان، لكن ليس ليقلب الطاولة أو يفتح الملفات، بل ليجلس بهدوء، ويطرح أسئلة بعدد أصابع اليدين تقريباً، ثم ينسحب إلى الصمت. كأن المقعد البرلماني لم يكن وسيلة للفعل، بل خاتمة لمسار طويل من التموقع..

في مدينة تعاني اختلالات عمرانية، وضغطاً اجتماعياً، وأسئلة حارقة حول السكن، والنقل، والعدالة المجالية، كان يُنتظر من منعش عقاري ونائب برلماني أن يكون في قلب النقاش، لا على هامشه. لكن الواقع يقول شيئاً آخر: حضور رمزي، أثر محدود، وصمت يطغى على كل شيء.

قصة محمد عواد ليست مجرد حكاية نائب قليل الأسئلة، بل مرآة لنموذج سياسي كامل، يعتبر البرلمان محطة شرفية، لا ورشة اشتغال. نموذج يراكم السنوات، ويقتصد في الفعل، ويغادر دون أن يترك وراءه سوى رقم بارد في خانة “عدد الأسئلة”.

وفي سلا، كما في مدن أخرى، قد تتغير الوجوه، وتتبدل الشعارات، لكن الكسل البرلماني حين يتحول إلى أسلوب، يصبح أكثر ثباتاً من الحجر.. وأكثر صلابة من أي إصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى