الحصيلة (30): ادريس السنتيسي: أكثر النواب سؤالًا.. لكن المدينة ما تزال تنتظر جوابًا

حسين العياشي

في نهاية هذا الأسبوع، لا نحتفي بالأسماء، ولا نوزّع شهادات حسن السيرة البرلمانية، بل نتوقف عند حالة استثنائية رقميًا داخل دائرة سلا، حالة تفرض نفسها بالأرقام لا بالخطاب. يتعلق الأمر بالنائب البرلماني إدريس السنتيسي، أحد أقدم الوجوه تحت قبة البرلمان، ليس فقط لطول المسار، بل لطبيعة الحضور الرقابي الذي بصم به الولاية الحالية.

ثلاثة وثلاثون عامًا من العضوية البرلمانية المتواصلة، منذ 1993 إلى اليوم. زمن سياسي طويل يكفي لتبدل الدساتير، وتغيّر الحكومات، وتعاقب أجيال من المنتخبين. السنتيسي عاش البرلمان في صيغته الأولى بنظام الغرفة الواحدة، ثم واصل المسار بعد اعتماد نظام الغرفتين سنة 1996، ما يمنحه رصيد تجربة لا يمكن إنكاره داخل المشهد التشريعي.

لكن طول البقاء، في حد ذاته، لا يمنح صكّ التفوق. القيمة الحقيقية، هنا، تكمن في حصيلة للولاية الحالية، حيث طرح السنتيسي ما يقارب 775 سؤالًا شفويًا. رقم يضعه في موقع متقدم مقارنة بزملائه داخل نفس الدائرة، بل ويتجاوز مجموع ما راكمه بعضهم طيلة ولايات كاملة. غير أن هذا الرقم، رغم ثقله، يفتح بابًا مشروعًا للنقاش: هل كثافة السؤال تعني بالضرورة جودة التأثير؟

فالأسئلة، مهما بلغ عددها، تظل أداة، لا غاية. والبرلمان لا يُقاس فقط بعدد التدخلات، بل بقدرتها على تحريك السياسات العمومية، أو على الأقل إحراج السلطة التنفيذية ودفعها إلى التفاعل الجدي. هنا بالضبط يبدأ هامش النقد، لأن جزءًا من هذه الأسئلة ظل، في نظر متتبعين، حبيس التداول الروتيني، دون أن يترجم دائمًا إلى تحولات ملموسة في واقع مدينة سلا، التي ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية في التهيئة، والخدمات، والعدالة المجالية.

ثم إن كلفة هذا المسار الطويل لا يمكن القفز عليها؛ فعضوية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود كلفت المال العام ما يقارب مليار و386 مليون سنتيم. رقم يفرض سؤال المحاسبة الهادئة: ماذا جنت المدينة فعليًا من هذا الاستثمار السياسي طويل الأمد؟ وهل كان بالإمكان تحويل هذا الحضور الكثيف إلى أثر أقوى على الأرض، لا سيما في الملفات الاجتماعية التي ظلت تراوح مكانها؟

صحيح أن السنتيسي كان أول عمدة لسلا في إطار ميثاق الجماعات، وأنه راكم تجربة محلية وتشريعية متداخلة، لكن هذه الأسبقية التاريخية لا تعفي من النقد، بل ترفعه إلى مستوى أعلى. فمن يُراكم كل هذا الزمن، يُنتظر منه أن يكون أكثر جرأة في كسر منطق التدبير التقليدي، وأقل تسامحًا مع الأعطاب المزمنة التي تحولت، مع مرور السنوات، إلى جزء من المشهد الاعتيادي بسلا.

لكن في مقارنة مع نواب اختاروا الصمت أو الحضور الشكلي، يبدو السنتيسي أكثر اشتغالًا وأقل غيابًا، وهذه نقطة تُحسب له داخل دائرة سلا. لكن في المقابل، يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل كان هذا الاشتغال كافيًا لكسر حلقة التكرار؟ أم أنه ظل، رغم كثافته، جزءًا من نظام سياسي يُكافئ الاستمرارية أكثر مما يكافئ النتائج؟

هذه الحلقة لا تُكتب للتلميع، كما لا تُكتب للتجريح؛ إنها محاولة لوضع نموذج مختلف تحت المجهر: نائب اشتغل أكثر من غيره، نعم، لكنه ظل يعمل داخل سقف مؤسساتي وسياسي لم يُفلح بعد في إحداث القطيعة المطلوبة مع أعطاب المدينة.

وفي النهاية، إذا كان الغياب يُدان، فإن الحضور الطويل بدوره لا يُعفى من السؤال.
فالبرلمان ليس سباق أرقام فقط، بل اختبار أثر.. والأثر، وحده، هو ما يبقى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى