الحصيلة (40): الحسناوي والمرابط.. تمثيلة برلمانية بدوام كامل ومساءلة بنظام الحصص

حسين العياشي

بعد جولة طويلة في دائرة الفحص–أنجرة، حيث الصمت البرلماني يكاد يُدرَّس كمادة اختيارية، ننتقل اليوم خطوات قليلة شمالًا إلى دائرة المضيق–الفنيدق، الجارة القريبة جغرافيًا والبعيدة كثيرًا عن هموم المساءلة والرقابة. دائرة تُصدّر إلى البرلمان نائبين، وتستورد في المقابل أداءً لا يخرج كثيرًا عن منطق “الحد الأدنى المقبول من الإزعاج”.

أول الوافدين من هذه الدائرة هو عبد النور الحسناوي، ابن عبد السلام الحسناوي، الذي سبق أن مرّ اسمه في الدائرة المجاورة، وكأن التمثيل البرلماني أصبح نشاطًا عائليًا يُورَّث مع المفاتيح والعناوين. الفرق الوحيد بعد التناقض الإديولوجي أن الابن اليساري قرر أن يكون أكثر حركة من والده اليبرالي، أو لنقل أكثر “كلامًا” داخل القبة، إذ بلغت حصيلته 43 سؤالًا شفويًا خلال أربع سنوات. رقم قد يبدو محترمًا على الورق، لولا أنه في الحساب السياسي لا يتجاوز عتبة الاجتهاد المتوسط، خاصة حين يتعلق الأمر بدائرة تعيش على إيقاع البطالة الموسمية، وتراجع السياحة، واختناق البنيات التحتية، ومشاكل اجتماعية لا تحتاج إلى مجهر لاكتشافها.

لكن الصورة لا تكتمل إلا بوجود النائب الثاني، محمد العربي المرابط، رئيس جماعة مرتيل، الذي اختار أن يمارس مهامه البرلمانية بروح “التقشف الرقابي”، مكتفيًا بـ18 سؤالًا شفويًا فقط طيلة الولاية. رقم ينسجم تمامًا مع فلسفة الحضور الرمزي: حضور كافٍ لالتقاط الصور، وغير كافٍ لإزعاج الحكومة أو تعكير صفو الجلسات.

والآن، لنتحدث بلغة الأرقام التي لا تجيد المجاملة؛ كل واحد من هذين النائبين كلف دافعي الضرائب ما يفوق 216 مليون سنتيم، أي أن المواطن في المضيق–الفنيدق موّل تجربة سياسية كاملة، لكنه تسلم في المقابل نسخة مخففة من التمثيل البرلماني، بنكهة موسمية لا تختلف كثيرًا عن نشاط المقاهي خارج موسم الاصطياف.

المفارقة أن أحدهما رئيس جماعة، والآخر ابن رئيس جماعة بدائرة مجاورة، أي أننا أمام توليفة مثالية تجمع بين النفوذ المحلي والحضور الوطني، وهي تركيبة كان من المفترض أن تُترجم إلى ضغط سياسي حقيقي داخل البرلمان لصالح المنطقة. لكن ما حصل عمليًا هو العكس؛ تمثيل مزدوج في المناصب، ومتواضع في النتائج، وكأن المناصب تُراكم، بينما الأسئلة تُقنَّن بالقطرة.

في مدينة مثل مرتيل، التي تعرف اختناقًا عمرانياً، ومشاكل في التطهير السائل، وضغطًا كبيرًا على الخدمات العمومية، يصبح من الساؤل مشروعًا: هل يكفي 18 سؤالًا شفويًا لمدينة تُضاعف ساكنتها كل صيف؟ وهل 43 سؤالًا قادرة على مداواة اقتصاد محلي يعيش على السياحة الهشة والتحويلات الموسمية؟

يبدو أن منطق التدبير تغيّر؛ لم يعد النائب مطالبًا بأن يكون مزعجًا للوزراء، بل يكفي أن يكون “متعاونًا” معهم، حاضرًا عند التصويت، أنيقًا في الصور الرسمية، ومقتصدًا في استعمال حقه في المساءلة. أما الرقابة، فتُركت لتقارير المؤسسات أو لاحتجاجات الشارع حين يفيض الكيل.

في المضيق–الفنيدق، كما في الفحص–أنجرة، تتكرر الحكاية نفسها بأسماء مختلفة؛ تمثيل عائلي هنا، ورئاسة جماعية هناك، ونشاط برلماني محسوب بالحد الأدنى، وكلفة سياسية واقتصادية يدفعها المواطن كاملة غير منقوصة. وحده السؤال الغائب هو: متى يصبح المنصب وسيلة لخدمة الدائرة لا مجرد محطة في مسار شخصي مريح؟

وهكذا، تواصل بعض الدوائر إرسال نوابها إلى الرباط، لا ليزعجوا الحكومة، بل ليؤكدوا لها أن الأمور تحت السيطرة، وأن الصمت ما زال يحظى بتمثيل وازن داخل قبة يُفترض أنها خُلقت للكلام، لا للاكتفاء بالتصفيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى