الحصيلة (42): بين تمثيلية غائبة وتعويضات حاضرة.. أين ذهب صوت مراكش-جليز؟

حسين العياشي
في دائرة جليز بمراكش، لا تحتاج إلى تقارير رسمية ولا إلى لجان تقصي الحقائق لمعرفة حصيلة النواب. يكفي أن تُصغي جيدًا إلى الصمت. صمت ثقيل، ممتد، ومكلف. هنا، لا يمثل النواب السكان، بل يمثلون الغياب نفسه، كأنهم انتُخبوا ليُثبتوا أن الكرسي قادر على أداء المهمة وحده دون حاجة إلى من يجلس عليه.
نحن أمام ثلاثة نواب من أحزاب التحالف الحكومي، لكننا لسنا أمام ثلاث تجارب سياسية “فاشلة” فقط، بل أمام نموذج مكتمل لبرلمان يُدار بمنطق “أقل مجهود مقابل أعلى امتياز”. في هذا المشهد، لا نختار بين الأفضل والأسوء، بل بين الأسوء.. والأسزء منه.
ولاية تشريعية واحدة في جليز تكلّف ما يفوق 720 مليون سنتيم. رقم يكفي لبناء مدرسة، أو تجهيز مستوصف، أو تحسين حيّ بأكمله. لكنه هنا صُرف بسخاء على الصمت، وعلى كراسي دافئة لا يزعجها سؤال، ولا يقلقها احتجاج، ولا يؤرقها ضمير.
لنبدأ من “الأقل سوءًا”، إن صحّ التعبير، النائب إسماعيل البرهومي عن حزب التجمع الوطني للأحرار. ستة (6) أسئلة شفوية فقط طيلة الولاية، أغلبها وُلد سنة 2022 ثم دُفن بعدها بسُنة الصمت الكبير. منذ ذلك الحين، دخل الرجل في سبات برلماني عميق، وكأن البرلمان فندق خمس نجوم دخله بنية الإقامة الطويلة لا تمثيل صوت الأمة. 216 مليون سنتيم مقابل حضور خجول في بداية الولاية، ثم اختفاء كامل.. صفقة لا يحلم بها حتى كبار المستثمرين.
لكن إن ظننا أن هذا هو القاع، فذلك لأننا لم ننظر بعد إلى النائب محمد نجيب الخالدي عن حزب الاستقلال. أربع (4) أسئلة شفوية فقط، ثلاث منها طُرحت في اليوم نفسه. وكأن النائب قرر أن “يُفرغ” ضميره دفعة واحدة، ثم يُغلق الملف نهائيًا. مساءلة مكثفة ليوم واحد، وصمت موزع على سنوات. 216 مليون سنتيم مقابل يومين من النشاط، والباقي أرشيف نائم.
ثم نصل إلى مرحلة لا يعود فيها السوء قابلاً للمقارنة، مع النائبة فاطمة الزهراء بن الطالب. سؤال شفوي واحد، واحد فقط. يتيم، خجول، طُرح سنة 2022، ثم تُرك وحيدًا في سجل البرلمان. بعدها، لا شيء. لا مساءلة، لا حضور قوي يُذكر، ولا أثر سياسي سوى ما راكمته العائلة من مقاعد في مراكش. 216 مليون سنتيم مقابل سؤال واحد.. إنها ليست حصيلة، بل نكتة سوداء ممولة من المال العام.
بعد هذا كله، يخرج علينا بعضهم مستغربًا من احتجاجات الشارع، متسائلًا ببراءة مصطنعة: لماذا يغضب الناس؟ والحقيقة أبسط من أن تُلفّق لها التحليلات. حين يغيب صوت المواطن داخل البرلمان، يضطر للبحث عنه خارجه. حين تتحول المؤسسات التمثيلية إلى فضاءات صامتة، يصبح الشارع هو الميكروفون الوحيد المتبقي.
الاحتجاج ليس فوضى، بل ترجمة طبيعية لفراغ سياسي؛ ليس تمردًا على الحكومات، بل على تمثيلية فاشلة. وحين يفهم بعض البرلمانيين الدرس بعد فوات الأوان، ويحاولون تدارك الغياب، يكون ذلك اعترافًا ضمنيًا بأن الصمت كان خطيئة، لا خيارًا.
لكن، ولتكن الحقيقة كاملة، النواب وحدهم لا يتحملون المسؤولية؛ هناك ناخب سلّم صوته ثم انسحب من المشهد.. هناك عزوف فتح الباب أمام الرداءة لتنتصر دون عناء.. ثم هناك ثقافة سياسية ما تزال تتسامح مع الغياب، وتتعامل مع البرلمان كديكور دستوري لا كأداة محاسبة.
نحن نموّل هذه المؤسسات بمليارات الدراهم سنويًا، لا لكي تستمتع النخبة بالحصانة والتعويضات، بل لكي تُسمع أصواتنا. فإذا تحولت النيابة عن الأمة إلى وظيفة صامتة، فما الفرق بينها وبين الغياب؟ وإذا كان النائب لا يسائل، ولا يحضر، ولا يمثل، فلماذا نحتاجه أصلًا؟
الديمقراطية لا تُقاس بعدد المقاعد، بل بوزن الضمير الذي يجلس عليها؛ وفي جليز، يبدو أن الكراسي أثقل من أصحابها، وأن الصمت أكثر فاعلية من الخطاب، وأن المواطن يدفع الثمن كاملًا.. مرة في صندوق الاقتراع، ومرة في الشارع، ومرة من ثقته التي تتآكل..










