الحصيلة (43): التمثيل البرلماني يتحوّل إلى امتياز اجتماعي.. المراكشيون يدفعون الثمن

حسين العياشي

استكمالاً لما بدأناه، نعود إلى مراكش، لكن هذه المرة نغادر جليز لنحط الرحال في دائرة المدينة–سيدي يوسف، دائرة بثلاثة مقاعد برلمانية كان يُفترض أن تشكل رافعة للدفاع عن قضايا الساكنة، فإذا بها تتحول إلى عنوان جديد لخيبة تمثيلية تتكرر بالوتيرة نفسها، وبالكلفة نفسها، وكأن المدينة محكومة بإعادة عرض المشهد ذاته مع كل ولاية تشريعية.

هنا لا يتعلق الأمر فقط بأداء باهت، بل بمشكلة أعمق تمس جوهر فكرة التمثيل نفسها، حين يتحول المقعد من أداة للمساءلة والترافع إلى امتياز اجتماعي، ومن مسؤولية سياسية إلى مجرد صفة بروتوكولية، فيغدو البرلمان أقرب إلى نادٍ مغلق لا يمت بصلة إلى انشغالات المواطنين ولا إلى انتظاراتهم.

أول الأسماء في هذه الدائرة هو يونس بن سليمان، الذي راكم ثلاث ولايات تشريعية، لكنه راكم معها أيضاً انتقالاً سلساً بين الانتماءات الحزبية، من حزب العدالة والتنمية لولايتين متتاليتين إلى حزب التجمع الوطني للأحرار في الولاية الحالية، في مسار يبدو فيه الثابت الوحيد هو البقاء إلى جانب الكفة الراجحة. حصيلته خلال هذه الولاية لا تتجاوز أربعة عشر (14) سؤالاً شفوياً، تركز معظمها في سنتي 2021 و2022، قبل أن يدخل في صمت طويل يكاد يشبه التقاعد السياسي المبكر، لكن دون أن تمس الامتيازات المرافقة للمقعد. ثلاث ولايات كلّفت المال العام ما يفوق 672 مليون سنتيم، مقابل أداء ظل محدود الأثر، لا يواكب حجم القضايا المطروحة ولا يرقى إلى مستوى التحديات التي تواجهها المدينة.

الاسم الثاني هو عثمان بن الطالب، عن حزب الأصالة والمعاصرة، شقيق النائبة فاطمة الزهراء بن الطالب التي سبق التوقف عند حصيلتها في دائرة جليز، في صورة تعكس كيف يمكن للتمثيل النيابي أن يتحول أحياناً إلى ما يشبه الامتداد العائلي أكثر منه تفويضاً سياسياً قائماً على المحاسبة والكفاءة.

خلال هذه الولاية، لم يسجل سوى سبعة (7) أسئلة شفوية، خمسة منها في سنة واحدة (2024) واثنان في السنة التي سبقتها، فيما خلت بقية السنوات من أي أثر يُذكر، كأن هموم الدائرة استنفدت فجأة أو أن أبواب البرلمان كانت موصدة. أكثر من 216 مليون سنتيم مقابل حضور متقطع لا يبرر حجم الثقة التي مُنحت ولا حجم الموارد التي صُرفت.

أما عبد العزيز درويش، ممثل حزب الاستقلال، فقصته تختصر الكثير من الإشكال في سطرين: سؤالان شفويان فقط طيلة الولاية. رقم يكاد لا يُصدق إذا ما قورن بحجم المسؤولية وبالكلفة التي تناهز بدورها 216 مليون سنتيم. هنا لا نتحدث عن ضعف في الأداء فحسب، بل عن غياب شبه كامل عن فضاء يفترض أن يكون ساحة يومية للترافع والمساءلة.

وحين توضع هذه الأرقام إلى جانب ما سبق تسجيله في دائرة جليز، يتضح أن المسألة لم تعد استثناءً معزولاً، بل نمطاً يتكرر داخل المدينة نفسها. مراكش، بثقلها الاقتصادي والسياحي والاجتماعي، ممثلة داخل البرلمان بحصيلة أقرب إلى سجل الغياب منها إلى دفتر الاشتغال، ما يطرح أسئلة محرجة حول موقعها في سلم الأولويات السياسية.

عند هذه النقطة، يصبح من السهل فهم لماذا لا تتغير أوضاع كثير من الأحياء، ولماذا تستمر الاختلالات ذاتها، ولماذا يتكرر الغضب في الشارع كلما تفجرت أزمة جديدة. فحين يكون التمثيل ضعيفاً، يغيب الضغط داخل المؤسسات، وحين يغيب هذا الضغط، تتراكم الملفات في الهامش إلى أن تتحول إلى احتجاجات وصدامات بدل أن تجد طريقها إلى الحل عبر القنوات الدستورية والمؤسساتية.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال المسؤولية في النواب وحدهم، وكأنهم سقطوا على الدوائر من فراغ؛ ثمة ناخب صوّت دون مساءلة ثم انسحب من المشهد، وثمة من قاطع وترك الساحة لمن يجيد تعبئة الأصوات أكثر مما يجيد الدفاع عن المصالح، وثمة ثقافة سياسية ما تزال تخلط بين القرب العائلي والجدارة التمثيلية، وبين القدرة على الفوز في الانتخابات والقدرة على الاشتغال بعدها.

الديمقراطية لا تتوقف عند صندوق الاقتراع، بل تبدأ فعلياً بعده، حين يصبح التتبع والمحاسبة جزءاً من السلوك المدني اليومي، وحين يُطرح السؤال الجوهري دون مواربة، ماذا تحقق مقابل هذه المقاعد؟ وماذا قُدّم مقابل هذه الملايين؟ وأي معنى للتمثيل إذا كان الصوت البرلماني لا يُسمع إلا نادراً، ولا يتحرك إلا حين تقترب الاستحقاقات؟

في مراكش، تبدو المعضلة اليوم أقل ارتباطاً بندرة الموارد وأكثر ارتباطاً بندرة من يدافع عنها تحت قبة البرلمان. ليست المشكلة في قلة الوعود، بل في كثرة الصمت. وهكذا تستمر المدينة في الدوران داخل الحلقة نفسها، بينما يواصل بعض ممثليها ممارسة السياسة بأخف جهد ممكن.. وأعلى كلفة ممكنة على المواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى