الحصيلة (45): حصيلة مقعد الأحرار بأكادير: الصمت فضيلة.. والمساءلة ترف

حسين العياشي
في أكادير، لا تحتاج إلى عدّ الأسئلة البرلمانية، لأن الصمت أوضح من الأرقام؛ مدينة كاملة تتنفس الاقتصاد والسياحة والبطالة والغلاء، بينما من يفترض أنهم صوتها في البرلمان يمارسون نوعًا متقدمًا من “اليوغا السياسية”، جلوس طويل، صمت عميق، وتنفس منتظم للتعويضات.. على حساب دافعي الضرائب.
اليوم لن نتحدث عن معارضة مقموعة، ولا عن نواب في الهامش، بل عن حزب يقود الحكومة، والجهة، وصولا الى أصغر جماعة، حزب يقود كل شيء تقريبًا، باستثناء.. المساءلة. أكادير، مسقط رأس عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، تحولت برلمانيًا إلى مدينة بلا أسئلة، وكأن القاعدة غير المكتوبة تقول: “إذا كان ربّ البيت بالدف.. فلا داعي لإزعاجه بالأسئلة.“
النائب البرلماني الحالي عبد الله طايع، ممثل حزب التجمع الوطني للأحرار، اكتفى بثلاثة أسئلة شفوية في ولاية كاملة. ثلاثة فقط؛ رقم يصلح لأن يكون خطأ مطبعيًا، لا حصيلة تشريعية. ثلاثة أسئلة مقابل 216 مليون سنتيم، أي أن السؤال الواحد كلّف ما يكفي لتعبيد طريق قروي صغير، أو تجهيز قسم دراسي، أو على الأقل إصلاح حفرتين في شارع تغرق فيه السيارات كل شتاء.
لكن، حتى لا نظلم الرجل، فلنعد إلى من سبقه؛ عبد الله المسعودي، في الولاية السابقة، رفع السقف قليلًا، 23 سؤالًا في خمس سنوات. إنجاز يُحسب له، خاصة إذا تذكرنا أن السقف كان منخفضًا أصلًا. 240 مليون سنتيم مقابل أسئلة موزعة بتقشف شديد، كأنها تُصرف من ميزانية تقشفية لا من جيوب المواطنين.
لكن السخرية لا تكتمل دون المفارقة الكبرى؛ المسعودي، الذي كان بخيلًا في مساءلة الوزراء، وجد نفسه لاحقًا أمام مساءلة من نوع آخر: القضاء. إدانة، وتعويض، وملف هدم، وقرارات انفرادية، وتحذيرات رسمية لم تُحترم. الرجل الذي لم يكن لديه وقت لطرح الأسئلة، وجد فجأة وقتًا للرد على الاتهامات.
وهنا يصبح المشهد عبثيًا، نائب لا يضغط على الحكومة تحت القبة، لكنه يضغط على الجرافة فوق بيوت المواطنين بلا موجب شرع. صمت حيث يجب الكلام، وجرأة حيث يجب التريث. وكأن الوظائف اختلطت، البرلمان للاستراحة، والجماعة للتخريب.
أما قاع الحصيلة الحقيقي، فكان في زمن عبد الله أبرني، حيث بلغ فن الاختزال السياسي ذروته: سؤال شفوي واحد يتيم طيلة ولاية تشريعية كاملة. سؤال واحد فقط. سؤال يمكن أن يُطرح في المصعد، لا تحت قبة البرلمان. ومع ذلك، قبض الرجل 240 مليون سنتيم كاملة غير منقوصة، لأن الصمت في السياسة المغربية لا يُعاقَب.. بل يُكافَأ.
بهذا التسلسل، يبدو أن مقعد الأحرار في أكادير لا يُقاس بعدد الأسئلة، بل بعدد السنوات التي تمر دون إزعاج الحكومة. كلما قلّت الأسئلة، زادت الطمأنينة، واستقرت العلاقة، ونام الجميع قريري العين.. باستثناء المدينة.
في كل هذا، تظل أكادير حاضرة فقط كاسم انتخابي؛ تُستدعى في اللافتات، وتُذكر في الخطب، ثم تُترك خارج الحساب. مستشفيات لا تزال مغلقة رغم جاهزيتها، وبطالة مرتفعة تُحرج حكومة يقودها ابنها، وبنية تحتية لا تُرفع بشأنها نبرة الصوت. المدينة تدفع، والنواب يقبضون، والحصيلة ثابتة لا تحتاج إلى عدّاد.
لكن، ولأن الحقيقة المزعجة لا تكتمل دون شركائها، فلا يمكن تبرئة الناخبين، فهؤلاء النواب لم يسقطوا من السماء. أُعيد انتخابهم، أو أُنتجوا من نفس المطبخ، بنفس الوصفات: العائلة، التعاونيات، النفوذ، المال، والعزوف. حين يصوّت المواطن على الاسم لا الأداء، وبدافع القبيلة لا الحصيلة، فهو يشارك – ولو بصمت – في صناعة هذا الفراغ.
الديمقراطية لا تُفرَّغ فقط حين يصمت البرلماني، بل حين يعتاد المواطن هذا الصمت، ويتعامل معه كقدر. حين تصبح 216 مليون سنتيم رقمًا عاديًا، وسؤال واحد “مجهودًا”، وغياب خمس سنوات “ظرفًا سياسيًا”.
أكادير اليوم ليست استثناءً، لكنها نموذج فاضح: مدينة كبيرة، تمثيل صغير، وأسئلة أصغر. وحين يُسأل الناس لماذا يغضب الشارع، يكون الجواب بسيطًا: لأن من يفترض أن يتكلم داخله.. اختار الصمت خارجه.
وفي انتظار أن يكتشف بعض النواب أن البرلمان ليس فندقًا بخمس نجوم، بل مؤسسة بمسؤولية ثقيلة، ستظل أكادير كغيرها من المدن والقرى تدفع كثيرًا، وتُسأل قليلًا، وتُنسى بسرعة.. إلى أن يحين موسم الانتخابات، حيث يستيقظ الجميع فجأة، وتعود الأسئلة، لا للوزراء، بل للناخبين أنفسهم: إلى متى هذا العبث؟










