الحصيلة (49): الحي الحسني ينتخب الأشباح.. مقاعد دافئة ومساءلة غائبة

حسين العياشي

بعد أن أُسدِل الستار مؤقتًا على حصيلة نواب أكادير واشتوكة آيت باها، على أن يُستكمل الحديث عن باقي دوائر سوس في مناسبة لاحقة، نتجه هذه المرة نحو العاصمة الاقتصادية، الدار البيضاء، المدينة التي يفترض أن تكون قلب السياسة النابض كما هي قلب المال والأعمال. غير أن ما تكشفه بعض دوائرها البرلمانية يوحي بأن هذا القلب السياسي يعاني من قصور حاد، وأن جزءًا من شرايينه اختار الاشتغال بمنطق “الاقتصاد في الجهد” والاكتفاء بصمت مُتقَن.

المحطة اليوم هي دائرة الحي الحسني، دائرة لا تعاني لا من قلة السكان ولا من ندرة الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية، لكنها تعاني، paradoxalement، من وفرة نواب أتقنوا فن الغياب. نواب استوعبوا، على ما يبدو، قاعدة غير مكتوبة في الممارسة السياسية: الصمت لا يُعاقَب، بل قد يكون الطريق الأسلم للاستمرار.

ثلاثة مقاعد برلمانية تمثل الدائرة، ثلاثة أسماء، وأكثر من 600 مليون سنتيم تُصرف عن كل ولاية تشريعية. أما الحصيلة، فهي أقرب إلى سجل غياب جماعي منها إلى سجل ترافع وتمثيل. أموال عمومية تُنفق بسخاء، مقابل أداء لا يكاد يُرى أو يُسمع.

المقعد الأول يعود لحزب يقود الحكومة، التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي لا يضيع فرصة للحديث عن “حصيلة المنجزات”. غير أن هذه اللغة تتبخر حين ننتقل إلى قبة البرلمان. ممثل الحزب بدائرة الحي الحسني هو إدريس الشرايبي، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة السلة. في عالم الرياضة، هناك مباريات، توقيت، نقاط، ونتائج قابلة للقياس. في البرلمان، تختفي هذه المعايير كلها. الحصيلة هنا صادمة في وضوحها: صفر سؤال شفوي. ليس عددًا ضئيلًا ولا أداءً محتشمًا، بل صفر كامل، نظيف، بلا أي هامش للتأويل. صفر كلّف دافعي الضرائب ما يقارب 216 مليون سنتيم، مقابل تمثيل برلماني بلا أثر، أشبه باشتراك سنوي في مؤسسة لا تفتح أبوابها أبدًا.

المقعد الثاني من نصيب حزب الأصالة والمعاصرة، ويمثله صلاح الدين شنكيط. هنا نغادر الصفر المطلق إلى ما يمكن وصفه بالحد الأدنى من النشاط الحيوي. أربع أسئلة شفوية فقط، لكنها لم تُطرح على امتداد الولاية التشريعية، بل قُذفت دفعة واحدة في يوم واحد، وكأن النائب استيقظ فجأة على حقيقة أن له وظيفة اسمها المساءلة، فقرر تصريفها قبل انتهاء الصلاحية. أربع أسئلة في يوم واحد، مقابل 216 مليون سنتيم، ثم عودة إلى الصمت.

أما المقعد الثالث، فكان من نصيب حزب الاستقلال، ممثلًا في محمد الركاني. وبالمقارنة مع زميليه، يبدو الرجل أكثر نشاطًا، أو على الأقل أكثر حرصًا على ترك أثر رقمي يمكن الرجوع إليه. عشرون سؤالًا شفويًا، معظمها خلال سنة 2023، وآخرها في 2024. وكأن مشاكل الحي الحسني حُلّت دفعة واحدة، أو كأن الساكنة بلغت درجة من الاكتفاء السياسي لم تعد معها بحاجة إلى من يسائل الحكومة باسمها.

هكذا تكتمل صورة الحي الحسني: نائب لا يسأل إطلاقًا، وآخر يسأل مرة واحدة ثم يختفي، وثالث يسأل بما يكفي ليُقال إنه “أدّى الواجب”، قبل أن يدخل هو الآخر في وضعية الانتظار. لا ضجيج، لا إزعاج، ولا مخاطرة.

في هذه الدائرة، لا تكمن المشكلة في عدد النواب، بل في معنى التمثيل نفسه. البرلمان هنا لا يُستعمل كأداة للرقابة والمساءلة، بل كوظيفة هادئة، تُمارَس بالحد الأدنى الممكن من الجهد، لأن هذا الحد الأدنى، في هذا السياق، كافٍ للبقاء والاستمرار دون تكلفة سياسية.

غير أن المسؤولية لا تتوقف عند النواب وحدهم. حين يُعاد انتخاب الأسماء نفسها، وحين يُمنح الصوت الانتخابي بلا مساءلة، أو يُقايَض بالخدمات والوعود، يصبح الناخب شريكًا كاملًا في إنتاج هذا الصمت. الصناديق لا تفرز الأشباح من تلقاء نفسها، بل لأنها تُمنح أصواتًا، مرة بعد مرة.

وعندما يغيب صوت المواطن داخل البرلمان، لا ينبغي الاستغراب إذا ارتفع خارج المؤسسات. فالمؤسسات التي تعجز عن تمثيل الناس لا يمكنها أن تلومهم إن بحثوا عن بدائل للتعبير.

الحي الحسني لا يعاني من قلة النواب، بل من فائض الصمت. وصمتٌ من هذا النوع، حين يُموَّل من جيوب المواطنين، لا يعود مجرد تقصير في الأداء، بل يتحول إلى إهانة سياسية مكتملة الأركان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى