الحصيلة (50): دافعو الضرائب يمولون الصمت البرلماني في دائرة بن مسيك

حسين العياشي

دائمًا في الدار البيضاء.. ودائمًا في المكان نفسه من الحكاية، حيث تتغير اللافتات الحزبية وتبقى النتيجة ثابتة كقانون فيزياء، حصيلة كارثية لا تتأثر بعوامل الزمن ولا بتعاقب الولايات. دائرة بن مسيك، هذه المرة أيضًا، تُخرج من صندوقها العجيب ثلاثة مقاعد برلمانية، أشبه بثلاثة كراسٍ في مسرح عبثي، يجلس عليها ممثلون محترفون في فن الصمت السياسي، ويتقنون أداء دور “النائب” دون الحاجة إلى عناء الكلام أو الإزعاج بأسئلة.

لنبدأ بالأقدم، عميد الصمت البرلماني، محمد جودار، عن حزب الاتحاد الدستوري، الحزب الذي قرر، بدافع الوطنية الفائقة أو حب الدفء السياسي، أن يزحف نحو حضن الأغلبية، رغم أنها تملك أصلًا ما يكفي من المقاعد لتحاصر البرلمان وتحوله إلى غرفة نوم جماعية بلا منبه. أغلبية متغولة، ومعها حزب صغير قرر أن يلعب دور “الديكور التكميلي”، تاركًا المعارضة محشورة في ركن ضيق، كمتفرج في مباراة حُسمت نتيجتها قبل صافرة البداية.

محمد جودار، نائب برلماني منذ قرابة عشرين سنة، أي جيل كامل من دافعي الضرائب، كلف خزينة الدولة ما يقارب 960 مليون سنتيم، وهو رقم كافٍ لطرح سؤال بسيط: هل اشترينا نائبًا أم اشتركنا في خدمة صمت سنوية؟ خلال الولاية الحالية، تفضل الرجل وطرح سؤالًا شفويًا واحدًا، سؤالًا يتيمًا، يتيمًا، بلا إخوة ولا أخوات، كأنه وُضع فقط حتى لا يُقال إن العداد صفر.

في الولاية السابقة، ارتفع السخاء قليلًا؛ خمسة أسئلة فقط، أو ستة حسب الموقع الرسمي لمجلس النواب، مع فارق بسيط لا ينتبه له إلا المدققون: سؤال مكرر مرتين، كإعادة بث حلقة قديمة لملء الفراغ البرامجي. أما في ولاية بنكيران، فقد كان النشاط في أوجه: 21 سؤالًا، وكأن الرجل كان لا يزال في مرحلة “اكتشاف البرلمان”.

فهل السبب هو كثرة المناصب؟ رئاسة حزب، عضوية جامعة ملكية، رئاسة جماعة.. حقيبة هنا وكرسي هناك، حتى صار النائب أشبه بسائق حافلة يحاول أن يقود ثلاث مركبات في آن واحد، ثم نستغرب لماذا لا تصل أي واحدة إلى وجهتها. لماذا هذا الهوس بتكديس المناصب إذا كان العجز عن التوفيق بينها مضمونًا؟ هل هو حب في خدمة المواطن، أم حب في المواطن وهو يصفق من بعيد؟ ألم يكن أكرم وأصدق أن يختار منصبًا واحدًا ويتنازل عن البقية لمن قد يعتبرها مسؤولية لا غنيمة؟

نترك هذا الملف الثقيل لبرنامج “الرقابة الشعبية”، وننتقل إلى المقعد الثاني، حيث الكوميديا تتحول إلى “فودفيل” سياسي. توفيق كميل، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، زوج عمدة الدار البيضاء ورئيس مقاطعة سباتة، نائب كلّف دافعي الضرائب حوالي 480 مليون سنتيم. حصيلته في هذه الولاية هي أربعة أسئلة شفوية فقط، موزعة على ثلاثة أيام، وكأنها جرعات دواء مركزة أُعطيت دفعة واحدة ثم انتهى العلاج. المفارقة أن الرجل، في الولاية السابقة، كان “ماكينة” للمساءلة: 359 سؤالًا، رقم يثير الشك أكثر مما يبعث على الإعجاب، ويطرح سؤالًا بسيطًا: هل كان البرلمان آنذاك مركز نداءات؟

ويكفي أن تكتب اسم رئيس مقاطعة سباتة في محرك البحث حتى تنهمر عليك الفضائح كما تنهمر الإعلانات في فيديو مجاني. ملفات، جدل، اتهامات.. مواد دسمة لو حاولنا استعراضها هنا، لتحول المقال إلى موسوعة، وربما احتجنا إلى لجنة تقصي الحقائق بدل قلم صحفي.

نصل أخيرًا إلى المقعد الثالث، المقعد الذي قد يراهن عليه القرّاء المتفائلون كـ”آخر أمل”. لكن لا تقلقوا، فالأمل هنا يُدفن بسرعة. المصطفى جداد، عن حزب الأصالة والمعاصرة، بصم على حصيلة تاريخية، صفر سؤال شفوي طيلة أربع سنوات كاملة. صمت كامل، نظيف، بلا شوائب. مقابل ماذا؟ حوالي 216 مليون سنتيم من المال العام. نائب حافظ على البيئة البرلمانية من التلوث السمعي، ولم يزعج الوزراء ولا الحكومة ولا حتى الميكروفونات.

هكذا تشتغل دائرة بن مسيك؛ ثلاثة نواب، وثلاثة مستويات من الصمت، وميزانية عمومية تدفع الثمن. برلمان يشبه مطعمًا فاخرًا، الفاتورة ثقيلة، والأطباق فارغة، والنادل يبتسم ويقول: “هل أعجبكم العرض؟”. وفي النهاية، يبقى المواطن هو المتفرج الوحيد في مسرحية كوميديا سوداء، يضحك بمرارة، ويدفع ثمن التذكرة من جيبه، ثم يُطلب منه أن يصفق بحرارة في الانتخابات المقبلة.. هذه نخبنا و”هادشي لي عطى الله”..

يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى