الحصيلة (53): نواب بلا صوت.. مولاي رشيد بين صمت التمثيل وثقل الانتظارات

حسين العياشي

في مدينةٍ لا تنام، حيث تختلط ضوضاء الشوارع بإيقاع الحياة اليومية المتسارع، تبدو بعض المقاعد البرلمانية وكأنها تعيش خارج الزمن. في دائرة مولاي رشيد بالدار البيضاء، بثلاثة مقاعد يفترض أن تحمل ثقل أحياء مكتظة ومطالب اجتماعية متراكمة، يظهر التمثيل النيابي أقرب إلى حضور رمزي منه إلى ممارسة سياسية فعّالة. تحت القبة، لا يُسمع صدى تلك الأحياء كما ينبغي، بل يمر بعض ممثليها كأنهم عابرون في مشهد طويل لا يشاركون في صناعته.

المفارقة هنا لا تكمن في المقارنة بين أداء جيد وآخر ضعيف، بل في التفاوت بين حضور باهت.. وآخر أكثر بهتانًا.

عبد الإله امهدي، ممثل حزب الاستقلال، قدّم خلال الولاية البرلمانية خمسة عشر (15) سؤالًا شفويًا. رقم يبدو للوهلة الأولى مقبولًا، لكنه يفقد ثقله حين يوضع في سياق أربع سنوات كاملة من العمل التشريعي والرقابي. اللافت أن سؤالين فقط طُرحا بعد بداية الحديث عن سلسلة  “الحصيلة”، وكأن صوت الدائرة لم يُلتقط إلا حين بدأ العدّ. سؤال واحد في 2025، وآخر في 2024، والبقية تعود إلى 2023، لتفصل بينها فترات صمت طويلة. في المقابل، يستمر التعويض البرلماني في التدفق، بما يقارب 216 مليون سنتيم خلال الولاية، مقابل حضور يقترب من الشكل أكثر من المضمون.

أما محمد حدادي، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، فتبدو حصيلته أكثر اختزالًا؛ ثلاثة (3) أسئلة شفوية فقط خلال أربع سنوات، اثنان منها في 2022 وواحد في 2023، ثم صمت ممتد. حضور يمرّ بلا أثر يُذكر، كأنه جزء من المشهد العام لا من ديناميته. التمثيل هنا يتحول إلى وجود رمزي، ثابت في مكانه، قليل التفاعل مع ما يفترض أنه يمثله.

في الطرف الأضعف من المشهد، يبرز عبد الإله شيكر، ممثل حزب التقدم والاشتراكية، بسؤالين شفويين فقط: واحد في 2022 وآخر في 2025. ثلاث سنوات كاملة من السكون السياسي بينهما. أداء متقطع لا يعكس وتيرة مدينة تعيش ضغطًا يوميًا وتحتاج إلى صوت مستمر داخل المؤسسة التشريعية. في المقابل، يبقى التعويض نفسه قائمًا، وكأن الفارق بين الحضور المكثف والغياب الطويل لا ينعكس على ميزان المسؤولية.

الصورة العامة تكاد تكون كاريكاتورية؛ دائرة نابضة بالحياة، مقابل تمثيل يتحرك ببطء شديد، يتكلم بنظام الندرة، ويصمت كما لو أن الصمت جزء من الوظيفة. البرلمان، في هذه الحالة، يتحول إلى فضاء انتظار طويل، حيث تمر السنوات دون أن تتراكم حصيلة رقابية توازي حجم الانتظارات.

واللافت أن هذا الوضع لا يقوم على طرف واحد فقط؛ منتخبون ينجحون في البقاء دون أثر واضح، وناخبون يمنحون الثقة ثم ينسحبون من المشهد طيلة الولاية، ومقاطعون يعتقدون أن المسألة لا تعنيهم، بينما تستمر المنظومة في العمل بأموال عمومية تموّل هذا الأداء الباهت.

في الحساب المباشر، ثلاثة نواب بتعويض يفوق 216 مليون سنتيم لكل واحد، أي ما يقارب مليار سنتيم خلال ولاية واحدة، مقابل حصيلة رقابية محدودة يمكن تلخيصها في بضعة أسطر. أرقام تطرح سؤالًا أكبر من مجرد أداء أفراد؛ سؤال حول معنى التمثيل ذاته، وحدود المساءلة، وقيمة المقعد حين يتحول إلى غاية بدل أن يكون وسيلة.

في مولاي رشيد، لا تكمن المشكلة في ضعف الأرقام وحدها، بل في الاعتياد عليها. حين يصبح الصمت أمرًا عاديًا، والغياب مألوفًا، والحضور الشكلي كافيًا، تتحول الديمقراطية إلى واجهة أنيقة.. من دون عمق حقيقي خلفها.

وهكذا تستمر الحكاية، دائرة مليئة بالأصوات والمطالب، ونواب يمرّون فوقها بخفة؛ مدينة تبحث عمّن يتحدث باسمها، وتمثيل يتقن الظهور دون أن يلتقط صدى ما يدور فيها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى