الحصيلة (16): الهمزة قبل تازة.. خليل الصديقي: حصيلة “صامتة” برعاية دافعي الضرائب

حسين العياشي
في تازة، المدينة التي تعودت أن تكون ممرًا لا مقصدًا في السياسة يظهر اسم النائب البرلماني التجمُّعي خليل الصديقي كعنوان بارز لنوع خاص من التمثيل البرلماني، تمثيل بلا أثر، ومسار سياسي بلا ذاكرة، وحصيلة تُكتب برقم واحد.. صفر كبير.
النائب الذي مرّ من حزب التقدم والاشتراكية، إلى الحركة الشعبية، ليستقر أخيرًا في حزب التجمع الوطني للأحرار، يُجسد نموذج “السياسي الرحّال” الذي لا يحمل معه سوى حقيبة واحدة أينما حلّ، وهي حقيبة المقعد. لا برامج تُرافقه، ولا اختيارات إيديولوجية تُثقل خطاه، فقط بوصلة واحدة لا تخطئ الاتجاه: أين تكون الغلبة، يكون الانتماء..
ولايتان تشريعيتان كاملتان، والولاية الحالية تحديدًا تُقدّم لنا خلاصة التجربة في أنقى صورها: صفر سؤال شفوي. لا عن البطالة، لا عن العزلة، لا عن البنية التحتية، لا عن شباب تازة الذين يغادرونها كما تُغادر المدن التي خذلت أبناءها. صفر لا يحتاج إلى تفسير، لأنه أوضح من أي خطاب.
أكثر من 25 ألف صوت وُضعت في صندوق الاقتراع سنة 2021، تحولت داخل قبة البرلمان إلى صمت مطبق. 25 ألف ناخب صدقوا أن الصوت الانتخابي قد يتحول إلى صوت سياسي، فكانت النتيجة نائبًا يُتقن فن الغياب أكثر من أي مهارة أخرى. هكذا تُدار المفارقة: كثافة انتخابية في الأسفل، وفراغ تمثيلي في الأعلى.
لكن الصفر البرلماني ليس بلا كلفة. هذا الصمت كلّف دافعي الضرائب ما يقارب 440 مليون سنتيم إلى حدود كتابة هذا المقال. ميزانية كانت كافية لفتح طرق قروية، تجهيز مؤسسات صحية، دعم مدارس، أو على الأقل تخفيف بعض من شعور التهميش الذي يلازم الإقليم منذ سنوات. لكنها ذهبت لتغذية نموذج سياسي يعتبر البرلمان امتيازًا ماليًا لا مسؤولية دستورية.
والمثير للسخرية أن هذا الصفر لا يُقدَّم حتى في صيغة اعتذار. لا ندوة، لا توضيح، لا مراجعة ذاتية. كأن المقعد البرلماني أصبح حقًا مكتسبًا، لا عقدًا أخلاقيًا مع الناخبين. كأن تازة مدينة بلا أسئلة، أو مواطنوها بلا مشاكل، أو الصمت صار سياسة عمومية معتمدة.
خليل الصديقي لا يُدين نفسه وحده، بل يُدين مشهدًا سياسيًا كاملًا يسمح للانتقال الحزبي أن يتم بلا محاسبة، وللحصيلة الصفرية أن تمرّ بلا مساءلة، وللمواطن أن يُستدعى فقط يوم الاقتراع، ثم يُعاد إلى الهامش خمس سنوات كاملة.
وهنا، لا يمكن إعفاء الناخب من المسؤولية. فالتصويت على الأسماء دون مساءلة المسارات، والتصفيق للانتماءات دون تفحص الحصيلة، هو ما يسمح بتكرار هذا النموذج. كما أن المقاطعة بدورها تُسهم في منح الشرعية للأقلية المنظمة، فتُعيد إنتاج الوجوه نفسها، بالأحزاب نفسها، وبالصفر نفسه.
تازة اليوم لا تعاني فقط من التهميش، بل من تمثيل بلا صوت. نائب حاضر بالاسم، غائب بالفعل، ومشهد برلماني يثبت مرة أخرى أن أخطر ما في السياسة ليس الفساد الصاخب، بل الصمت المكلف.
يتبع…
لأن الأرشيف لم يُفرغ بعد،
ولأن الصفر حين يتكرر، لا يعود صدفة..





