الحصيلة (17): أنا وأبي.. كيف حوّل “آل لحموش” مقعد الخميسات إلى إرث سياسي مدفوع من جيوب الفقراء

حسين العياشي

في إقليم الخميسات، لا تُقاس السياسة بالأفكار ولا بالحصيلة، بل بطول النفس العائلي. هنا، البرلمان ليس مؤسسة تشريعية بقدر ما هو ملحق عائلي، والكرسي لا يُنتزع بالصراع السياسي بل يُسلَّم كما تُسلَّم مفاتيح البيت بين الأب والابنة، مع ابتسامة رضا، وفاتورة شهرية تُرسل مباشرة إلى دافعي الضرائب.

محمد لحموش، اسم مألوف لدرجة أنه صار جزءًا من المشهد الطبيعي للإقليم، مثل الحرارة في الصيف والبرد في الشتاء. أربع (4) ولايات تشريعية، عشرون (20) سنة كاملة من أصل 60 سنة التي تشكل عمر البرلمان، حصيلته البرلمانية لا تحتاج إلى آلة حاسبة: 7 أسئلة في الولاية الحالية، 7 في السابقة، سؤال يتيم في التي قبلها، أما الأولى.. فلنكن رحماء ونتركها خارج النقاش. مقابل هذا “المجهود الدّؤوب”، كلف الرجل الخزينة ما يقارب 960 مليون سنتيم. نعم، مليار ناقص القليل، صُرفت لا على تنمية الخميسات، بل على صمتها المُمثَّل رسميًا.

لكن لأن السياسة عندنا لا تحب الفراغ، كان لا بد من توريث الصمت. هكذا دخلت الابنة، سكينة لحموش، إلى البرلمان. تمثيل شبابي؟ نسائي؟ حداثي؟ ربما على الورق فقط. أما في الواقع، فالحصيلة لا تتجاوز 10 أسئلة شفوية مقابل أكثر من 150 مليون سنتيم. أي أن السؤال الواحد كلّفنا ما يكفي لإصلاح مدرسة قروية أو تجهيز مستوصف.. لكن من يهتم؟ المهم أن نسب “آل لحموش” حاضر، والكرسي محفوظ، والصورة العائلية مكتملة.

ولأن العبث حين يكتمل يتحول إلى مادة ساخرة تلقائيًا، فقد دخلت البرلمانية التاريخ الرقمي ليس بمداخلة قوية ولا بسؤال محرج للحكومة، بل بإعلان عن ضياع كلبتها، مع مكافأة مالية لمن يجدها. في إقليم تضيع فيه الطرق، وتتوقف فيه المشاريع، وتختفي فيه المليارات، كان الحدث الوحيد الذي استحق النشر هو ضياع “البولدوغ”. وحين انفجر سيل السخرية، لم يكن الرد سياسيًا، بل تقنيًا بإغلاق حسابها الرسمي.. لأن الصمت دائمًا أسهل من التفسير.

وبين هذا وذاك، تتراكم حول الأب ملفات ثقيلة، اختلالات مالية، صفقات مشبوهة، مشاريع بمليارات توقفت في منتصف الطريق، شوارع أُعيد تهيئتها أكثر مما استُعملت، وشبهات تطال شركات وأقارب. تحقيقات، تقارير، استدعاءات.. والخميسات كما هي: تنمية معلّقة، وبطالة قارة، ومدينة تُستنزف أكثر مما تُخدَم.

لكن، ولنكن صريحين حد الوقاحة؛ لحموش وابنته لا يتحمّلان وحدهما مسؤولية هذا المشهد “البئيس”. المسؤولية الأولى تقع على ساكنة المناطق القروية والدواوير المجاورة للمدينة، التي تجدّد الثقة في هذا “المنتوج السياسي المحلي” عند كل محطة انتخابية، بنفس المنطق الذي يُجدَّد به عقد كراء الأراضي الفلاحية “نحن نعرفه، حتى وإن لم يفعل شيئًا”. كأن البرلمان صندوق إعانات اجتماعية لـ”النخبة”، لا مؤسسة تشريع ورقابة.

ثم هناك الفئة الأخطر، والمتمثلة في المقاطعون؛ أولئك الذين يرفعون أكتافهم بلا مبالاة، ويقولون إن السياسة لا تعنيهم، قبل أن يبكوا لاحقًا من غلاء المعيشة وتردي الخدمات. هؤلاء ينسون – أو يتناسون – أن أموال الضرائب التي يدفعونها هي نفسها التي تُضخ في جيوب “الأشباح البرلمانية”. المقاطعة هنا ليست موقفًا، بل تفويض مجاني للصمت والإهمال.. نقطة إلى السطر.

ساكنة الخميسات، لا تعاني فقط من برلمانييها ضعيفي الأداء، بل من ثقافة انتخابية تُكافئ الغياب وتُعاقب الجهد. أجل، ثقافة ترى في الكرسي غاية، لا وسيلة، وفي الاسم ضمانة، لا برنامجًا.

والنتيجة؟ لا تحتاج الوصف، عائلة تُراكم الثروة، مدينة تغرق تفي التهميش، مواطن يدفع  أجور “الأشباح”، وبرلمان يُفرغ من أدواره.. ثم نتساءل ببراءة مصطنعة: لماذا لا يتغير شيء؟

ولأن بعض الكراسي لا تُكسَر إلا حين يقرر الناخب أن يتوقف عن التصفيق للكسل. تستمر الحصيلة بما فيها وما عليها..

موعدنا غدا على نفس الموعد.

يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى