الحصيلة (19): نائب بنصف عمر البرلمان: “محمد الزموري” في إقامة دائمة تحت القبة بقوة الصندوق لا الحصيلة

حسين العياشي
من طنجة، عروس الشمال التي اعتادت أن تبدّل ملامحها كل عقد، يطل اسم واحد قرّر أن يظل ثابتًا لا يتغيّر، لا في الحضور ولا في الموقع ولا في العمر البرلماني. محمد الزموري، اسم ارتبط بالمؤسسة التشريعية إلى حدّ يصعب فيه الفصل بين الرجل ومقعده، كأنه أحد “السكان الأصليين” للبرلمان، لا نائبًا عابرًا ولا ضيف ولاية، بل عنصرًا دائمًا رافق هذه المؤسسة لما يقارب ثلاثين سنة، أي ما يعادل نصف عمر البرلمان المغربي.
ثلاثون سنة من الإقامة الدائمة تحت قبة البرلمان، أي ما يعادل نصف عمر المؤسسة التشريعية، دون أن يترك الرجل أثرًا يُذكر سوى استهلاك الزمن والميزانية. محمد الزموري لا يشبه لوحة معلّقة على جدار البرلمان، بل تمثالًا من تماثيل أساطير أثينا نُقل خطأً إلى الرباط؛ صامت، جامد، متحجر.. لكن حاضر لا يراوح مكانه.
البرلمان يتحرك من حوله، الحكومات تتبدل، الدساتير تُعدَّل، والبلاد تدخل وتخرج من أزمات، بينما تمثال الأسطورة في مكانه، لا يسائِل ولا يُسائَل، لا يعارض ولا يساند، حاضر جسديًا وغائب سياسيًا. وجوده لا يُقاس بالفعل بل بالاستمرارية البيولوجية، وكأن المقعد البرلماني تحوّل إلى ملكية زمنية، أو إرث شخصي يُورَّث مع العمر لا مع الإنجاز. ثلاثون سنة من الصمت المُموَّل من المال العام، تُجسّد المعنى الحقيقي لنائب لا يُنتَظر منه شيء، لأنه ببساطة لم يَعُد يفعل شيئًا.
ومن هذا التمثال الصامت نعود إلى بقية المشهد، حيث لا يُقاس الثقل السياسي هنا بكمّ المبادرات ولا بجرأة المواقف، بل بطول البقاء. في طنجة، المدينة التي اعتادت أن تهدم القديم لتبني الجديد، ظلّ هذا الاسم عصيًّا على منطق التجديد، كأنه خارج قانون التحديث العمراني والسياسي معًا. 22.821 صوتًا في انتخابات 2021 لم تُترجم إلى فعل تشريعي، بل إلى صمت مؤسسي مُتقَن، صمت لا يثير الانتباه لأنه أصبح مألوفًا، ولا يزعج لأنه تعوّد أن يمرّ بلا مساءلة.
سؤال شفوي واحد في الولاية الحالية ليس رقمًا ناقصًا فحسب، بل موقف سياسي مكتمل الأركان: موقف يقول إن المقعد يكفي، وإن الرقابة ترف، وإن البرلمان يمكن أن يُدار بمنطق “الحضور دون إزعاج”. أما الصفر الكبير في الولاية السابقة، فهو ليس سهوًا ولا ظرفًا عابرًا، بل اختيار واعٍ للانسحاب من جوهر المهمة، مع الحفاظ على كل الامتيازات المرافقة لها. وعشرة أسئلة في ولاية بنكيران لا تغيّر الصورة؛ فهي أشبه بمحاولة متأخرة لإثبات أن النائب “كان هنا” يومًا ما.
في المقابل، الحساب لا ينسى؛ مليار و176 مليون سنتيم خرجت من جيوب دافعي الضرائب لتُموّل هذا الوجود الهادئ، المطمئن، الذي لا يكلّف صاحبه سوى الصبر على الجلوس. رقم ثقيل بما يكفي ليطرح السؤال الذي يهرب منه الجميع: هل نُمَوِّل التمثيل أم نمول الغياب؟ وهل البرلمان مؤسسة تشريعية أم دار إقامة طويلة الأمد لمن أتقنوا فنّ الانتظار؟
وحين نغادر قاعة البرلمان إلى دهاليز الحزب، تتبدل النبرة فجأة؛ الزموري الذي لا يتكلم كثيرًا تحت القبة، يرفع صوته داخل الاتحاد الدستوري، ينتقد، يحتج، ويعلن القطيعة السياسية مع أمينه العام، متهمًا القيادة بالجمود وتجميع المناصب. هنا فقط، يتذكر الرجل أن السياسة تحتاج موقفًا، وأن الصمت ليس دائمًا فضيلة. مفارقة تكاد تكون ساخرة: نائب صامت باسم الأمة، وخطيب جريء باسم الحزب.
أما الحديث عن “الثلاجة السياسية” التي وُضع فيها الحزب منذ 2022، فلا يحتاج إلى شرح طويل؛ فالثلاجة نفسها تبدو أكثر دفئًا من الأداء البرلماني الذي يُفترض أن يكون واجهة الحزب داخل المؤسسة التشريعية. كيف يُدين النائب البرلماني الركود وهو أحد رموزه العملية؟ وكيف يُطالب بالحركية التنظيمية وهو يمارس أقسى أشكال السكون البرلماني؟
ثم يأتي فصل الترحال السياسي، الفصل الذي يُتقنه هذا الجيل من السياسيين بمهارة عالية. الاتحاد الدستوري، كما التجمع الوطني للأحرار.. وربما غيرهما غدًا.. الأسماء تتغير، والشعارات تتبدل، لكن المقعد ثابت، والنهج واحد. الترحال هنا ليس بحثًا عن مشروع، بل إعادة تموضع ذكية لحماية الاستمرارية. فحين يضعف الحزب، تُستبدل اللافتة، وحين يشتد النقد، يُغيَّر القميص، أما الحصيلة فتبقى كما هي: خفيفة إلى حدّ الفراغ.
في العمق، نحن لا نواجه شخصًا، بل منظومة كاملة تسمح لبرلماني أن يعمّر ثلاثين سنة دون أثر يُذكر، وتكافئه بالمزيد من الولايات. منظومة يُعاد فيها انتخاب “المجرّب” لأنه مألوف، لا لأنه ناجع. ومنظومة يجد فيها المُقاطع عزاءه في اللامبالاة، معتقدًا أن الأمر لا يعنيه، بينما فاتورة الصمت تُخصم كل يوم من ضرائبه.
المسؤولية إذن جماعية؛ مسؤولية ناخب يمنح صوته ثم يغيب. مسؤولية مُقاطع يترك مكانه فارغًا ليشغله من لا يُحاسَب. ومسؤولية مشهد سياسي خلط بين الاستمرارية والجدارة، فحوّل البرلمان إلى متحف حيّ، تُعرض فيه تماثيل سياسية لا تُمسّ، ولا تُسأل، ولا تُحاسَب.
محمد الزموري ليس استثناءً، بل عنوانًا لزمن سياسي كامل، زمن يمكن فيه للنائب أن يعيش أطول من الأسئلة التي طرحها، وأن يراكم السنوات أكثر مما يراكم المبادرات. وفي هذا الزمن، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا صمت؟ بل: لماذا نتركه يواصل الصمت؟
في هذه السلسلة، لا نحتاج إلى أسرار ولا إلى تسريبات. نكتفي بما هو معلن: الأرقام، السنوات، والتكلفة. ونترك للقارئ أن يقرّر إن كان هذا تمثيلًا سياسيًا.. أم إقامة دائمة مدفوعة الثمن.
وغدًا، اسم جديد.
مقعد جديد.
وصمت آخر من نفس الدائرة..
على حسابنا جميعًا.





