الزمن الانتخابي يعيد “الإنصات” إلى خطاب الحكومة بعد سنوات من الصمت

حسين العياشي

أعاد إعلان وزارة الفلاحة فتح باب تلقي شكايات الكسابة الذين لم يستفيدوا من ترقيم قطعانهم أو من الدعم المرتبط به الجدل إلى واجهة النقاش، ليس فقط حول اختلالات برنامج إعادة تكوين القطيع، بل حول طريقة تدبير الدعم العمومي عموماً، وتوقيت استحضار منطق “الإنصات” بعد سنوات من التذمر الصامت في الميدان. فبينما يُقدَّم الإجراء اليوم بوصفه خطوة لتصحيح المسار وضمان الإنصاف، يطرح مهنيون ومتابعون سؤالاً بسيطاً ومحرجاً في آن واحد: لماذا لم تُفتح هذه القنوات عندما كانت الشكاوى تتراكم، وكانت المساطر المعقدة تحرم فئات واسعة من حقها في الاستفادة؟

اللافت أن ما جرى في ملف الكسابة لا يبدو استثناءً، بل ينسجم مع نمط تكرر في أكثر من ورش اجتماعي خلال السنوات الأخيرة. من برامج دعم المهنيين، إلى بعض صيغ الدعم المباشر للأسر، ظلت الملاحظات نفسها تتكرر: منصات رقمية لا تتفاعل، تطبيق محلي متفاوت للمساطر، ومعايير استهداف يصعب على المواطن العادي فهمها أو التحقق منها. ومع ذلك، نادراً ما جرى التعامل مع هذه الإشكالات باعتبارها مؤشرات خلل بنيوي تستدعي مراجعة شاملة، بل غالباً ما حُصرت في خانة “حالات فردية” لا تستوجب تغييراً في قواعد اللعبة.

هذا الأسلوب في التدبير جعل عدداً من برامج الدعم، التي رُوّج لها باعتبارها تحولات نوعية في السياسة الاجتماعية، تصطدم أولاً بحاجز الثقة قبل أن تصطدم بإكراهات التمويل أو التنفيذ. فعندما يشعر المستفيد المحتمل بأن صوته لا يصل، وأن الأخطاء الإدارية لا تجد طريقها إلى التصحيح، يتحول الدعم من آلية للتخفيف من الهشاشة إلى عامل إضافي للإحباط، خصوصاً في المجالات القروية حيث تتقاطع صعوبة الولوج إلى الخدمات مع بعد الإدارة عن الواقع اليومي للسكان.

اليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية الحكومية ودخول الزمن الانتخابي، يعود خطاب “الإنصات” إلى الواجهة بقوة، ليس في قطاع الفلاحة فقط، بل في ملفات اجتماعية متعددة، وكأنه إقرار متأخر بأن شيئاً ما لم يكن يسير على النحو المطلوب. غير أن هذا التحول يضع مسألة التوقيت في صلب النقاش، لماذا لم تُرسخ آليات دائمة لتلقي التظلمات وتتبعها منذ انطلاق هذه البرامج؟ ولماذا لم يُنظر إلى الشكايات، في وقتها، باعتبارها جزءاً من عملية التقييم والتصحيح، بدل التعامل معها كضجيج هامشي لا يستدعي سوى التجاهل أو التبرير؟

المفارقة أن كلفة التصحيح ترتفع كلما تأخر الاعتراف بالخلل. فالمواطن الذي لم يجد من يصغي إليه في البداية، لن يثق بسهولة في أن الإدارة أصبحت فجأة أكثر قرباً ومرونة، ما لم يلمس نتائج ملموسة وسريعة على الأرض، لا مجرد بلاغات تؤكد حسن النية. الثقة، حين تتآكل، لا تُستعاد بالشعارات، بل بإجراءات عملية تعيد الاعتبار لفكرة الحق في التظلم والمتابعة والمساءلة.

من هذا المنطلق، يبدو أن الإشكال يتجاوز مسألة تطوير المنصات أو تبسيط المساطر، ليصل إلى عمق ثقافة الحكامة المعتمدة في تدبير الدعم العمومي، والتي ما تزال، في كثير من الأحيان، قائمة على منطق القرار من الأعلى إلى الأسفل، دون إشراك فعلي للمستفيدين في تقييم السياسات وتصحيح اختلالاتها. وفي غياب هذا البعد التشاركي، تبقى البرامج، مهما اختلفت عناوينها وتضخمت ميزانياتها، مهددة بإعادة إنتاج الأعطاب نفسها.

فتح باب الشكايات، سواء لفائدة الكسابة أو غيرهم من الفئات المعنية بالدعم المباشر، خطوة إيجابية في ظاهرها، لكنها تظل محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى ممارسة مؤسساتية دائمة، قائمة على الإنصات الحقيقي وربط المسؤولية بالمحاسبة. أما إذا ظل هذا الانفتاح مرتبطاً بلحظات سياسية معينة، فإنه سيُقرأ، شئنا أم أبينا، باعتباره محاولة متأخرة لتحسين الصورة أكثر من كونه مدخلاً لإصلاح عميق لمنظومة الدعم الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى