السكوري يعترف بعجز الحكومة عن إصلاح مدونة الشغل

فاطمة الزهراء ايت ناصر

اعترف وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، بعجز الحكومة عن الحسم في إصلاح مدونة الشغل، خصوصا ما يتعلق بإنهاء مظاهر التعسف التي تطال فئات واسعة من الأجراء، وعلى رأسهم أعوان الحراسة الخاصة.

وأقر الوزير، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، أن الحكومة تقف أمام خيارين لا ثالث لهما إما إخراج مدونة شغل جديدة تنهي هذا الوضع المختل، أو ترك المجال أمام البرلمان لتقديم مقترحات قوانين في حال فشل الجهاز التنفيذي في الوفاء بالتزاماته.

ويأتي هذا الاعتراف، بعد أزيد من عقدين من العمل بمدونة شغل أضحت، بحسب متتبعين، عاجزة عن مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، في وقت تتفاقم فيه شكاوى أعوان الحراسة والنظافة والطبخ من طول ساعات العمل، وضعف الأجور، وغياب الحماية القانونية الكافية، رغم التنصيص الدستوري على صون كرامة الشغل واحترام حقوق الأجراء.

وشدد الوزير، الذي كان يتحدث باسم الحكومة، على أن حقوق أعوان الحراسة تدخل في صميم منظومة حقوق الإنسان، وأن احترام مقتضيات الدستور يفرض معالجة الاختلالات التي يعرفها هذا القطاع، مؤكدا أن الحكومة التزمت، في إطار الحوار الاجتماعي، بمراجعة عدد من المقتضيات المرتبطة بمدونة الشغل، وعلى رأسها ساعات العمل.

وأوضح السكوري أن موضوع حراس الأمن الخاص لا يحتمل التوظيف السياسي، باعتباره مرتبطا بحقوق الأجراء والمواطنين بشكل عام، مبرزا أن الحكومة سبق أن دعت إلى تأجيل مقترحات القوانين المتعلقة بتعديل مدونة الشغل إلى حين تأطيرها بمخرجات الحوار الاجتماعي، حتى لا تأتي الإصلاحات مجتزأة أو غير منسجمة.

وفي ما يتعلق بساعات العمل، أقر الوزير بأنها تشكل أحد أعطاب مدونة الشغل الحالية، مذكرا بأن الحكومة تعهدت مع شركائها الاجتماعيين بمراجعتها، ومؤكداً أنه قبل حلول فاتح ماي المقبل سيتم الحسم في وضعية ساعات عمل أعوان الحراسة بالوسائل القانونية. غير أن هذا الالتزام الزمني لم يبدّد شكوك عدد من المتابعين، في ظل تأخر الإصلاحات وتراكم الاختلالات على أرض الواقع.

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن أعوان الحراسة والنظافة والطبخ يتقاضون أجورهم القانونية وفق مقياس الساعة، غير أن الإشكال، بحسبه، يبرز حين يتم جمع ساعات العمل خلال شهر كامل لتتبين فجوة واضحة بين ما يؤدى فعليا وما ينص عليه الحد الأدنى القانوني للأجر، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات تحايلية من قبل بعض المشغلين.

وفي محاولة لتبرير محدودية الردع، أوضح السكوري أن مدونة الشغل تتضمن عقوبات في حق المشغلين الذين لا يحترمون الأجر القانوني أو يخلّون بحقوق الأجراء، غير أن سقف هذه الغرامات لا يتجاوز 500 درهم عن كل أجير، مع تحديد سقف أقصى في 20 ألف درهم بالنسبة لكل مقاولة، معترفاً في الآن ذاته بضعف هذه العقوبات وعدم قدرتها على كبح المخالفات.

هذا الاعتراف الصريح بضعف المنظومة الزجرية دفع الوزير إلى الكشف عن مطالبته النقابات بتقديم تصوراتها بخصوص مراجعة العقوبات المنصوص عليها في مدونة الشغل، وما يجب إدخاله من مستجدات تشريعية تضمن حماية فعلية للأجراء، بدل الاكتفاء بنصوص قانونية تفتقر إلى القوة الردعية.

ورغم تأكيده أن مفتشية الشغل تقوم بجولات المراقبة، أقر السكوري بأن هذه المراقبة تبقى غير كافية للحد من التجاوزات، وهو ما يستدعي، حسب قوله، تعديلاً عميقاً لمدونة الشغل يجعلها أداة حقيقية لإنصاف الفئات الهشة في سوق الشغل، بدل أن تظل مجرد إطار قانوني محدود الأثر.

في المقابل، لم يخل النقاش البرلماني من انتقادات لاذعة للحكومة فقد أكد إبراهيم أجنين، عضو المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، أن أكثر من مليون عامل في قطاع الحراسة الخاصة والنظافة يشتغلون لساعات تفوق المسموح به قانونا، وبأجور زهيدة قد لا تتجاوز في بعض الحالات 600 درهم شهريا، واصفا هذا الوضع بـ«الاستعباد والاتجار في البشر.

وشدد أجنين على أن تحسين وضعية هذه الفئة يظل مسؤولية مباشرة للوزارة الوصية، من خلال تكثيف عمليات التفتيش ومراقبة ظروف العمل، وضمان استفادة الأجراء من الحقوق التي تنص عليها مدونة الشغل، محمّلاً الحكومة مسؤولية استمرار هذه الخروقات.

وذهب النائب البرلماني أبعد من ذلك، حين أشار إلى أن بعض شركات الأمن الخاص تعود ملكيتها لوزراء أو مسؤولين داخل الحكومة الحالية، معتبرا أن هذا المعطى يطرح إشكال تضارب المصالح ويقوض مصداقية الخطاب الرسمي حول تعميم الاستفادة من الحد الأدنى للأجور، مطالباً بتفعيل عقوبات رادعة تضع حداً لما وصفه بإهانة كرامة أجراء شركات الحراسة والنظافة والطبخ.

من جهته، وجه الفريق الحركي انتقادات حادة لوزارة الصحة، متهما إياها بتفصيل صفقات الحراسة على مقاس شركات بعينها، دون احترام مقتضيات مدونة الشغل، ولاسيما من خلال اشتراط التوفر على شهادة التعليم الابتدائي وسنتين من التجربة، وهو ما أدى، حسب الفريق، إلى طرد عدد من الأعوان دون سابق إشعار أو ترصيد لمكتسباتهم المهنية المتراكمة عبر سنوات من العمل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى