الصيادلة يصعّدون وطنيًا: إضرابات متتالية رفضًا لفتح رأسمال الصيدليات

حسين العياشي
في مشهد يعكس حجم التوتر الذي يعتمل داخل قطاع الصيدلة، أعلنت الهيئات النقابية الثلاث الأكثر تمثيلية للصيادلة أصحاب الصيدليات، يوم الاثنين 2 مارس، عن اتفاق موحّد يقضي بخوض سلسلة من الإضرابات الوطنية المتتالية، ستتصاعد مدتها بشكل تدريجي، احتجاجًا على توصية مجلس المنافسة الداعية إلى فتح رأسمال الصيدليات أمام الشركات التجارية.
القرار، الذي وُصف داخل الأوساط المهنية بأنه “إجماع غير مسبوق”، جاء عقب مشاورات مكثفة بين النقابات المركزية، انتهت إلى توحيد الصفوف في مواجهة ما تعتبره هذه الهيئات مساسًا بجوهر المهنة وبطبيعتها الصحية. ومن المرتقب أن يعقد مجلس فدرالي يضم النقابات الجهوية اجتماعًا خلال الأيام القليلة المقبلة لحسم تاريخ أول محطة احتجاجية، في وقت تُبدي فيه القيادات النقابية استعدادها لتوسيع دائرة التنسيق لتشمل مجالس طلبة الصيدلة، تمهيدًا لاحتمال خوض أشكال نضالية مشتركة.
في خلفية هذا التصعيد، تتمركز توصية مجلس المنافسة التي أثارت رفضًا قاطعًا من طرف المهنيين، الذين يرون فيها تهديدًا مباشرًا لاستقلاليتهم ولمبدأ احتكارهم القانوني لممارسة النشاط الصيدلي. وتؤكد النقابات أن فتح رأسمال الصيدليات أمام المستثمرين الخواص من خارج الجسم المهني سيحوّل الدواء إلى سلعة خاضعة لمنطق الربح والخسارة، ويُخضع القرار الصحي لاعتبارات مالية بحتة، بما يحمله ذلك من تداعيات على التوازن العام للقطاع.
وبينما ينتقل الملف إلى أعلى مستويات السلطة التنفيذية للحسم في هذا “ليّ الذراع” المؤسساتي، تشدد تمثيليات الصيادلة على أن الصيدلية ليست مشروعًا تجاريًا صرفًا، بل مؤسسة صحية تؤدي وظيفة عمومية، وتضمن استقلالية القرار المهني للصيدلي، كما تؤمّن ولوجًا منصفًا إلى الدواء، خصوصًا في المناطق القروية والنائية التي لا تجذب عادة الاستثمارات الكبرى. وتحذّر هذه الهيئات من خطر تمركز الرساميل في المدن الكبرى، بما قد يعمّق الفوارق المجالية ويزيد هشاشة العرض الصحي خارج المراكز الحضرية.
وترى النقابات أن أي إصلاح حقيقي للقطاع ينبغي أن ينطلق أولًا من معالجة الاختلالات البنيوية القائمة، بدل إدخال تعديلات قد تعيد تشكيل السوق على أسس مالية صرفة. ورغم تأكيدها تفضيل خيار الحوار والتشاور، فإنها لا تُخفي استعدادها لتصعيد غير مسبوق إذا لم تؤخذ مطالبها بعين الاعتبار.
وفي مؤشر على اتساع رقعة الرفض، أعلنت تمثيليات أطباء القطاع الحر وجراحي الأسنان والصيادلة دعمها الصريح لموقف نقابات الصيدليات، معبرة عن رفضها القاطع لتوصية مجلس المنافسة، ما يمنح هذا التحرك بعدًا مهنيًا أوسع، ويضع الحكومة أمام اختبار دقيق بين منطق تحرير السوق ومتطلبات حماية المرفق الصحي وضمان استقلالية المهن الطبية.





