العواصف الثلجية تكشف مستور المناطق الجبلية.. صحة القرويين خارج التغطية

 

بشرى عطوشي

مع أول تساقط للثلوج، لا تبدأ المعاناة في الدواوير الجبلية بالمغرب.. بل تتأكد.
تتجمد الطرق، تنقطع المسالك، ويُغلق الأفق أمام آلاف المواطنين الذين يجدون أنفسهم فجأة خارج خريطة الحق في العلاج. ففي كل موسم ثلوج، تتحول العواصف الثلجية من ظاهرة طبيعية متوقعة إلى أزمة صحية حقيقية، تكشف بالملموس أن الإمكانيات المتوفرة لا تواكب لا قساوة الطقس ولا تكرار هذه العواصف التي باتت واقعاً سنوياً.

العواصف الثلجية التي توالت على عدد من مناطق المغرب خلال السنوات الأخيرة لم تكن مفاجئة، بل سبقتها نشرات إنذارية وتحذيرات رسمية. ومع ذلك، يتكرر المشهد نفسه: منظومة صحية مرتبكة، تدخل متأخر، وإمكانات محدودة تقف عاجزة أمام الثلوج. مراكز صحية معزولة، سيارات إسعاف محتجزة خلف الثلج، وأطر طبية محاصَرة مثلها مثل السكان، دون وسائل أو خطط بديلة فعالة.

في القرى الجبلية والدواوير النائية، يصبح تساقط الثلوج مرادفاً للعزلة الصحية الكاملة. نساء حوامل يواجهن خطر الولادة في ظروف قاسية، مرضى الجهاز التنفسي يختنقون في البرد دون أدوية كافية، وحالات استعجالية تفقد فرصة النجاة لأن الوصول إلى المستشفى الإقليمي قد يستغرق ساعات طويلة، إن لم يكن مستحيلاً. هنا، لا يكون الخطر في المرض وحده، بل في غياب منظومة قادرة على التدخل في الزمن المناسب.

الإشكال الأعمق هو أن الإمكانيات الصحية لا تُهيّأ لموسم الثلوج رغم تكراره. فغياب مخزون استباقي للأدوية، ونقص التجهيزات الملائمة للبرد القارس، وانعدام وسائل تدفئة في بعض المراكز الصحية، كلها مؤشرات على أن التعامل مع العواصف الثلجية ما يزال ظرفياً وردّ فعل، وليس سياسة صحية استباقية. وكأن الثلوج حادث طارئ، لا واقع موسمي ثابت.

أما على مستوى الإسعاف والتدخل السريع، فتظهر الهشاشة بأوضح صورها. سيارات إسعاف غير مجهزة للطرق الثلجية، غياب الإسعاف الجبلي المتخصص، واعتماد محدود على حلول استثنائية لا تشمل إلا حالات نادرة. في المقابل، تبقى الأغلبية رهينة الانتظار، حيث تتحول الدقائق الحاسمة إلى ساعات قاتلة.

الثلوج تفضح أيضاً الخصاص الحاد في الموارد البشرية الصحية بالمناطق الجبلية. أطر قليلة، تعمل تحت ضغط كبير، وفي ظروف مناخية وإنسانية صعبة، دون دعم كافٍ أو تحفيز حقيقي. ومع انقطاع الطرق، يصبح حتى الطاقم الصحي نفسه جزءاً من الأزمة، غير قادر على المغادرة أو على استقبال الحالات الوافدة.

إن تكرار هذه الاختلالات مع كل عاصفة ثلجية يطرح سؤالاً مقلقاً: لماذا لا تزال المنظومة الصحية عاجزة عن مواكبة واقع مناخي بات متوقعاً؟ فالتعامل مع الثلوج لا يجب أن يقتصر على فتح الطرق وإزاحة الجليد، بل يجب أن يشمل بالأساس حماية الأرواح، عبر منظومة صحية مرنة، مجهزة، وقادرة على الصمود.

كل موسم ثلوج يمر دون مراجعة حقيقية، هو تأكيد جديد على أن سكان الدواوير النائية يؤدون ثمن الإهمال مضاعفاً: مرة بسبب الجغرافيا، ومرة بسبب ضعف الاستعداد. فحين لا تواكب الإمكانيات الصحية العواصف الثلجية، يتحول البرد إلى خطر قاتل، وتتحول الثلوج إلى شاهد صامت على اختلالات بنيوية لا تزال تنتظر قرارات شجاعة قبل أن تحصد شتاءات أخرى أرواحاً كان يمكن إنقاذها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى