القصر الكبير تحت الماء.. من المسؤول قبل أن نلوم السماء

تازة: جمال بلــــة
من حق ساكنة القصر الكبير أن تطرح السؤال، ومن واجب المسؤولين الإجابة عنه بوضوح وشفافية.
هل ما يع من فيضانات متكررة مجرد قَدر طبيعي لا مفر منه، أم نتيجة مباشرة لاختلالات في التدبير والتخطيط واتخاذ القرار؟
إن اختزال ما تعيشه المدينة في هذه الظروف الجوية الإستثنائية يعد تبسيط مخلا بالواقع، بل وهروبا من مواجهة الحقيقة، فالمياه، مهما كانت غزيرة، لا تتحول إلى كارثة إلا حين تجد مجالا هشّا، وتدبيرا مرتبكا، وغيابا للاستباق.
الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها هي أن سد وادي المخازن يمثل سيفا ذا حدّين، نعمة حين يكون في مستوى آمن وتحت التحكم، ونقمة حين يبلغ حده الأقصى ويدار بمنطق رد الفعل بدل منطق التوقع.
قبل الامتلاء، يؤدي السد دوره الطبيعي في حماية المدينة، يحتجز مياه واد اللوكوس، ويخفف من حدّة الذروة المائية، ويكسر سرعة الجريان، ويمنح المجال الحضري هامش أمان معقول، في هذه المرحلة، يكون السد عنصر طمأنة، ويسهم فعليا في تقليص مخاطر الفيضانات، ولا أحد يجادل في أهميته أو في جدواه.
غير أن الصورة تتغير جذريا بعد بلوغ السد مستوى الامتلاء، هنا يصبح التفريغ إجراءً تقنيا لا مفر منه، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في التفريغ في حد ذاته، بل في توقيته، وحجمه، وسياقه العام، فحين يتم إطلاق كميات كبيرة من المياه في وقت قصير، وبالتزامن مع تساقطات مطرية أسفل الحوض، ومع مجرى واد يعاني من الترسبات والاختناق، فإن النتيجة تكون واحدة، ضغط مائي يفوق قدرة المدينة على التحمل.
في هذه اللحظة، لا يعود السد أداة حماية، بل يتحول بحكم الواقع إلى عامل مضاعف للخطر، خاصة في مدينة تعاني أصلا من الهشاشة، ومن توسع عمراني غير منضبط، ومن غياب تهيئة حقيقية لمجرى الواد.
المشكل إذن، ليس في السد كمنشأة هندسية، ولا في وجوده، بل في غياب التدبير الاستباقي والرؤية الشمولية، كان من الممكن تفريغ جزء من المخزون قبل العواصف المتوقعة، وكان من الممكن خلق هامش أمان أكبر، وكان من الممكن إشراك الساكنة في المعلومة بدل تركها تواجه الخطر في صمت وارتباك.
وكان من الممكن، منذ سنوات، تهيئة المجال الفيضي، وتعميق وتنظيف مجرى الواد، ومنع البناء في المناطق المعرضة للغمر، بدل التساهل الذي جعل الإنسان والممتلكات في مواجهة مباشرة مع الطبيعة.
إن تحميل الطبيعة وحدها مسؤولية ما يقع هو تبسيط خطير، فالتغيّر المناخي واقع لا يمكن إنكاره نعم، لكن سوء التخطيط وغياب الحكامة الجيدة يضاعفان نتائجه ويحولانه من ظاهرة طبيعية إلى أزمة إنسانية واجتماعية واقتصادية.
والسد مهما بلغت صلابته، ومهما كانت إمكانياته التقنية، لا يستطيع أن يعوض غياب رؤية متكاملة تجمع بين إدارة المياه، وتهيئة المجال، وحماية الإنسان، وربط القرار بالمعطيات العلمية لا بردود الفعل المتأخرة.
الخلاصة واضحة و التي لا تحتمل التأويل هي أن سد وادي المخازن نعمة ما دام في نطاق التحكم والتدبير الاستباقي، ونقمة حين يدار بمنطق الانتظار ثم التدخل تحت الضغط.
وما تحتاجه القصر الكبير اليوم ليس البحث عن متهم تعلق عليه الأخطاء، بل شجاعة الاعتراف بالخلل، والانتقال من سياسة الترقيع إلى سياسة الوقاية، ومن تدبير الأزمات إلى منع وقوعها أصلا.
فالمياه لا تُغرق المدن وحدها…
ما يغرقها حقا هو غياب القرار في الوقت المناسب، وغياب الرؤية قبل فوات الأوان





