المخابز المتنقلة تدخل خط الطوارئ.. الوقاية المدنية تجهز لمنظومة إغاثة متكاملة

حسين العياشي
في سياقٍ وطنيٍّ يزداد وعيًا بكلفة الزمن حين تقع الكوارث، تواصل المديرية العامة للوقاية المدنية تسريع وتيرة تنزيل مشروع المنصات الجهوية للمخزون الاستراتيجي، باعتباره أحد أهم الدروس العملية التي أفرزتها الأزمات الأخيرة. فمشاهد الفيضانات التي اجتاحت مناطق القصر الكبير والغرب، وقبلها الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز، أعادت طرح سؤال الجاهزية لا بوصفه ترفًا إداريًا، بل ضرورة سيادية تمس أمن المواطنين الاجتماعي والإنساني.
ضمن هذا الإطار، أطلقت المديرية صفقة جديدة موزعة على ثلاث حصص لاقتناء حاويات مخصصة للمخابز المتنقلة، بكلفة تقديرية تناهز 72 مليون درهم. اختيار “حاويات المخابز” ليس تفصيلاً تقنيًا عابرًا، بل يعكس فهمًا دقيقًا لطبيعة الاحتياجات العاجلة في حالات الطوارئ، حيث يشكل توفير الخبز والغذاء الأساسي عنصرًا حاسمًا في تثبيت الاستقرار داخل مراكز الإيواء المؤقت، وتخفيف الضغط الاجتماعي والنفسي عن المتضررين.
هذه الخطوة تندرج ضمن ورش استراتيجي أكبر أُطلق بأمر ملكي غداة زلزال الحوز، يقضي بإحداث منصات جهوية للمخزون والاحتياطات الأولية، مصممة وفق أفضل المعايير الدولية في تدبير الأزمات. والرهان هنا يتجاوز مجرد تخزين معدات أو مواد غذائية، ليؤسس لمنظومة تدخل متكاملة قادرة على ضمان سرعة الانتشار، والتنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين، وتأمين شروط السلامة والفعالية خلال اللحظات الحرجة.
المعطيات المالية والهندسية للمشروع تعكس حجمه وطموحه. فالغلاف الاستثماري الإجمالي يناهز 7 مليارات درهم، خُصص منها نحو ملياري درهم لأشغال البناء، مقابل 5 مليارات درهم لاقتناء المواد والتجهيزات. أما على المستوى العقاري، فستعبئ هذه المنصات وعاءً إجماليًا يقدر بـ240 هكتارًا، على أن تضم 36 مستودعًا موزعة وفق معايير تأخذ بعين الاعتبار الكثافة الديمغرافية لكل جهة وطبيعة المخاطر المحتملة بها.
بهذه المقاربة، تنتقل الدولة من منطق التدخل الظرفي إلى منطق الاستباق والتخطيط بعيد المدى. فبدل انتظار وقوع الكارثة ثم البحث عن الموارد، يجري اليوم بناء منظومة احتياطية جاهزة، قادرة على تقليص زمن الاستجابة وتحسين جودة الإغاثة. إنها هندسة جديدة لإدارة الطوارئ، قوامها التخزين الذكي، والتموقع الترابي المتوازن، وربط الجاهزية اللوجستية بحاجيات السكان الفعلية.
وبين الأرقام والاستثمارات، يبقى الرهان الأعمق هو الثقة: ثقة المواطن في أن لحظة الشدة لن تعني العزلة أو الارتجال، بل تدخلًا منظمًا وسريعًا يختصر المسافات بين القرار والمساعدة. هكذا تتحول المنصات الجهوية من مجرد مستودعات إلى رافعة استراتيجية في معادلة الأمن الإنساني، وإلى عنوان لمرحلة جديدة في تدبير المخاطر بالمغرب، حيث يصبح الاستعداد جزءًا من السياسات العمومية لا مجرد رد فعل على الكوارث.





