المعارضة تربح نصف المعركة.. والمحكمة الدستورية لم تُسقط قانون مجلس الصحافة كاملاً

حسين العياشي
لم تتجه المعارضة، حين لجأت إلى المحكمة الدستورية، إلى الطعن في مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة برمته، بل حصرت إحالتها في مواد بعينها رأت أنها تمس جوهر التنظيم الذاتي للمهنة وضمانات الحكامة والحياد والتعددية. وبدورها، لم تفتح المحكمة باب الرقابة الشاملة على النص كاملاً، بل التزمت من حيث الأصل بحدود الإحالة، مكتفية بفحص المواد المطعون فيها، مع استعمال صلاحيتها الاستثنائية لإثارة بعض المقتضيات المرتبطة بها ارتباطاً عضوياً.
هكذا، لم يكن القرار بمثابة نسف شامل للقانون، بقدر ما كان تصويباً لمفاصل اعتُبرت حساسة في بنيته، ما يجعل الحديث عن “انتصار المعارضة” توصيفاً دقيقاً فقط في حدود المواد التي طالتها الملاحظة الدستورية، لا في ما يتعلق بمشروع القانون ككل، الذي بقيت أغلب مقتضياته خارج دائرة الإلغاء رغم ما تطرحه من نقاش مهني وحقوقي واسع.
في هذا الإطار، سجّلت المحكمة أولى ملاحظاتها الجوهريّة بخصوص تركيبة المجلس الوطني للصحافة، معتبرة أن منح فئة الناشرين تسعة مقاعد مقابل سبعة فقط للصحافيين المهنيين يخل بقاعدة التوازن المستمدة من الأسس الديمقراطية لتنظيم القطاع، كما نص عليها الفصل 28 من الدستور. ورأت أن هذا الترجيح العددي، غير المؤسس على مبررات موضوعية مرتبطة بطبيعة التنظيم الذاتي للمهنة، من شأنه أن يؤثر في مسار اتخاذ القرار داخل المجلس، ويحوّل ميزان السلطة داخله لفائدة فئة دون أخرى.
وامتد هذا الخلل، في نظر المحكمة، إلى توزيع بعض الاختصاصات داخل المجلس، حيث اعتبرت أن حصر الإشراف على إعداد التقرير السنوي في عضوين فقط من فئة “الناشرين الحكماء” يقصي باقي الأعضاء، خاصة ممثلي الصحافيين، من المساهمة في وثيقة يفترض أن تعكس صورة شاملة عن أخلاقيات المهنة وحرية الصحافة وأوضاع العاملين في القطاع. واعتبرت المحكمة أن هذا التخصيص غير المبرر يعمّق اختلال التوازن داخل مؤسسة يفترض فيها التشارك في المسؤولية والقرار.
وفي ما يتعلق بتمثيلية المنظمات المهنية للناشرين، ذهبت المحكمة إلى أن منح جميع المقاعد لمنظمة واحدة، لمجرد حصولها على أكبر عدد من الحصص التمثيلية أو على عدد أكبر من المستخدمين، يفرغ مبدأ التعددية من مضمونه العملي. واعتبرت أن هذا الترتيب يؤدي إلى إقصاء باقي المنظمات المهنية المستوفية للشروط القانونية، ويتعارض مع الفصل الثامن من الدستور الذي يؤسس لدور تعددي للمنظمات المهنية في تمثيل مصالح الفئات التي تؤطرها، ولا يبرر احتكار التمثيل داخل هيئة وطنية ذات طابع تنظيمي.
كما توقفت المحكمة عند مسطرة التأديب والاستئناف، مسجلة إخلالاً صريحاً بمبدأ الحياد حين لاحظت أن رئيس لجنة الأخلاقيات والقضايا التأديبية، الذي يشارك في اتخاذ القرار الابتدائي، يوجد ضمن تشكيلة لجنة الاستئناف الإدارية التي تبت في الطعون. واعتبرت أن الجمع بين هاتين الوظيفتين داخل المسطرة نفسها يجعل من الصعب ضمان استقلال الجهة الباتّة في الطعن، بما يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة والحياد المستخلصة من الفصول الدستورية المؤطرة للحقوق والحريات.
وأثارت المحكمة، من تلقاء نفسها، إشكالاً آخر يتعلق بالانسجام الداخلي للنص، حين لاحظت أن اشتراط اختلاف جنس رئيس المجلس ونائبه لا يواكبه أي تنظيم قانوني يضمن تمثيلية متوازنة للنساء والرجال داخل فئة الناشرين، ما قد يجعل هذا الالتزام غير قابل للتنفيذ عملياً في بعض الحالات. واعتبرت أن فرض نتيجة انتخابية دون توفير شروطها القانونية يشكل خللاً في البناء التشريعي، ويقيد حرية الاختيار دون سند تنظيمي كاف.
في المقابل، رفضت المحكمة الطعون الموجهة إلى مواد أخرى، معتبرة أن للمشرع سلطة تقديرية في تحديد شروط العضوية والأفعال التي تسقط الاعتبار اللازم لممارسة المهام داخل المجلس، كما له أن ينيط بالمجلس دراسة مشاريع القوانين المرتبطة بالقطاع في إطار دوره الاستشاري، دون أن يشكل ذلك مساساً باختصاص البرلمان التشريعي أو بمبدأ فصل السلط.
وبذلك، يكون قرار المحكمة قد رسم حدود الانتصار الذي حققته المعارضة، انتصار في مواد مفصلية تمس توازن التمثيلية والحياد والتعددية والانسجام التشريعي، لكنه ليس انتصاراً على مشروع القانون في مجمله، الذي ظل قائماً في معظم مقتضياته، رغم استمرار الجدل المهني والحقوقي حول فلسفته العامة وخياراته التنظيمية.
وهو ما يفتح النقاش من جديد حول جدوى الاكتفاء بالطعن الجزئي في نصوص ذات حمولة بنيوية، وحول ما إذا كانت الإشكالات التي لم تصل إلى منصة الرقابة الدستورية ستجد طريقها إلى المعالجة عبر التعديل التشريعي أم ستظل مؤجلة إلى جولات قانونية وسياسية مقبلة.





