المغرب: حين لا تكفي المقارنات لفهم دولة

سعيد كان

ليس من السهل اختزال المغرب في تعريف واحد.

فهو بلدٌ يمكن أن تعبره في ساعات قليلة، فتنتقل من جبال الأطلس إلى الصحراء، ومن أزقة فاس العتيقة إلى أبراج الدار البيضاء الزجاجية. هذا التنوع الجغرافي ليس مجرد مشهد سياحي؛ إنه استعارة دقيقة لبنية الدولة نفسها: طبقات من التاريخ، وأصوات متعددة، وذاكرة عميقة، وطموح لا يخفي رغبته في المستقبل.

المغرب بلد تنوع جغرافي، نعم، لكنه أيضا تنوع ثقافي وإثنوغرافي ولغوي وروحي. فيه العربي والأمازيغي والحساني، وفيه الأندلسي والإفريقي والمتوسطي. هذا التعدد لم يكن يوما عارضا، بل هو جزء من تكوين الدولة منذ قرون. فمنذ نشأة الكيانات السياسية الأولى، مرورا بدول مثل الدولة الإدريسية، وصولا إلى الدولة العلوية، ظل المغرب يبني استمراريته على التوازن بين الثابت والمتحول.

دولة تقليدانية… وحديثة في آن

المغرب يحمل أصالة تقليدانية عريقة: مؤسسة إمارة المؤمنين، الزوايا، الأعراف المحلية، الروابط القبلية، والاحتفاء بالمواسم والطقوس. لكنه في الوقت نفسه دولة حديثة: دستور، برلمان، انتخابات، سياسات عمومية، مشاريع بنية تحتية، واستراتيجيات تنموية تمتد لعقود.

هذا التعايش لا ينتج تناقضا بقدر ما يخلق مزيجا جميلا وغامضا.
الجميل فيه أنه يمنح البلد توازنا واستمرارية.
والغامض فيه أنه يجعل القراءة السطحية للقرارات أو التحولات قراءة قاصرة أحيانا.

كثيرا ما نلاحظ أن المواطن المغربي — وربما المتابع الأجنبي — يطلق أحكاما على تصرفات الدولة من منطلقين متناقضين:

  • إما من منطق تقليدي، يقيس الدولة بمفاهيم الجماعة والعرف والرمزية.
  • أو من منطق حداثي صارم، يقيسها بنماذج ليبرالية أو جمهورية أو بيروقراطية مستوردة.

في الحالتين، قد لا يتناسب معيار الحكم مع طبيعة الحدث السياسي أو الثقافي أو القرار العمومي.

إشكال المقارنة

جزء من سوء الفهم ينبع من المقارنة الآلية.
نقارن المغرب بدول لا تشبهه في تكوينها التاريخي أو الاجتماعي، فننتظر منه أن يتصرف وفق قوالب جاهزة. لكن الدولة ليست قالبا تقنيا فقط؛ إنها حصيلة تاريخ، وتراكم ذهنيات، وتوازنات دقيقة.

ليس المطلوب تبرير كل شيء، ولا تجميد النقد.
بل المطلوب تطوير أدوات فهم. فالنقد الذي لا ينطلق من معرفة بالبنية العميقة للدولة قد يتحول إلى انفعال، كما أن الدفاع غير المشروط قد يتحول إلى إنكار للتحولات الضرورية.

الحاجة إلى إطار وعي جديد

ما يحتاجه المغرب اليوم — مغاربة وغير مغاربة — هو إطار وعي يسمح بفهم هذه الخصوصية المركبة:

  1. فهم أن الدولة المغربية ليست نسخة عن نموذج غربي خالص، ولا استمرارًا جامدًا لنموذج تقليدي.
  2. إدراك أن التحديث في المغرب لا يعني القطيعة مع المرجعية، بل إعادة تأويلها.
  3. الاعتراف بأن التوازن بين الاستمرارية والإصلاح هو خيار سياسي وثقافي، وليس حالة ارتباك.

هذا الإطار لا يهدف إلى خلق “حصانة ضد النقد”، بل إلى ترشيده.
فالفهم لا يلغي المساءلة، بل يجعلها أكثر دقة وفعالية.

المغرب كمسار… لا كصورة ثابتة

ربما يكمن جوهر المسألة في النظر إلى المغرب كمسار، لا كصورة مكتملة.
هو بلد يتحرك، يتغير، يتعلم من أخطائه، ويحاول أن يوفق بين عمق جذوره ومتطلبات العصر.

هذا التوتر بين الماضي والمستقبل ليس ضعفا، بل قد يكون مصدر قوة.
فالدول التي تملك ذاكرة قوية، إذا أحسنت إدارتها، تستطيع أن تدخل الحداثة دون أن تفقد ذاتها.

المغرب ليس لغزا، لكنه أيضا ليس بسيطا.
هو معادلة مفتوحة، تحتاج إلى قراءة هادئة، بعيدا عن الانبهار الأعمى أو الرفض المسبق. وربما كان السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه ليس: “لماذا لا يشبه المغرب غيره؟”
بل: “كيف يمكن أن نفهمه كما هو، قبل أن نطالبه بأن يكون شيئا آخر؟”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى