المغرب.. حين يتحول التنظيم إلى ثقافة ويصبح الإبهار واقعًا

بشرى عطوشي

لم يعد الحديث عن المغرب مجرد انبهار عابر أو إشادة ظرفية مرتبطة بتظاهرة رياضية كبرى، بل أصبح حديثًا عن نموذج متكامل في التنظيم، وعن دولة اختارت أن تضع ثقافتها في قلب الحدث، لا على هامشه. المغرب اليوم لا يكتفي بأن يكون منظمًا جيدًا، بل يقدّم للعالم تعريفًا جديدًا لمعنى التنظيم حين ينبع من الهوية.

في عالم اعتاد أن يكون فيه “الأول” حكرًا على دول بعينها، استطاع المغرب أن يكسر هذه القاعدة، وأن يثبت أن الريادة ليست مسألة جغرافيا أو تاريخ صناعي فقط، بل مسألة رؤية وإرادة. من تقنية الوصف السمعي التي مكّنت ذوي الإعاقة البصرية من متابعة المباريات وكأنهم في قلب المدرجات، إلى تفاصيل الاستقبال والضيافة، بدا واضحًا أن المغرب يشتغل على الإنسان قبل الصورة.

اللافت أن دولًا تُعد مرجعًا عالميًا في التنظيم والأمن، مثل ألمانيا والولايات المتحدة، جاءت لتتعلم من التجربة المغربية. حين تستفيد مؤسسات أمريكية كبرى من خبرة المغرب في تأمين التظاهرات، فذلك لا يمكن تفسيره إلا باعتراف صريح بأن ما يحدث ليس صدفة، بل ثمرة عمل متراكم.

المغرب لم يقدّم فقط بنية تحتية بمعايير عالمية، بل قدّم ثقافة كاملة. الثقافة هنا لا تعني اللباس أو المأكل فقط، بل تعني طريقة الترحيب، أسلوب الحديث، روح الجماهير، وحتى الاحترام الذي أبداه المغاربة تجاه جماهير منتخبات لم تتمكن من الحضور بأعداد كبيرة. هذا السلوك الإنساني تحوّل إلى رسالة عالمية مفادها أن التنظيم الحقيقي لا يُقاس فقط بالخرسانة والميزانيات، بل بالقيم.

ورغم هذا النجاح، لم يَسلم المغرب من الانتقادات والهجمات. غير أن التاريخ يؤكد أن كل تجربة ناجحة تُواجَه بالمقاومة. أوروبا وأمريكا لا تنبهران بسهولة، لأنهما اعتادتا أن تكونا في موقع المبهِر لا المُنبهر. لذلك، حين يأتي الإعجاب من هذه الجهات، فهو اعتراف نابع من الواقع، لا من المجاملة.

فرنسا، التي نادرًا ما تمنح الإشادة بسهولة، خاصة في سياق علاقتها التاريخية بالمغرب، وجدت نفسها مضطرة للاعتراف بجودة الملاعب والتنظيم، حتى في ظروف مناخية صعبة. هذه الإشادة لم تكن خيارًا سياسيًا، بل نتيجة مشهد واضح لا يمكن إنكاره.

ما يميز التجربة المغربية هو أنها لم تُستورد جاهزة، بل نبتت من التربة المغربية نفسها. إنها مزيج فريد يجمع بين عقلية تنظيمية دقيقة، وروح شرقية دافئة، وعمق عربي، ونكهة أمازيغية أصيلة. هذا الخليط هو سر “الاستثناء المغربي” الذي بات مادة للنقاش في الإعلام العالمي.

اليوم، المغرب لا ينظر إلى الأسفل ولا ينشغل بالضجيج. هو في حالة تحليق، يواصل مساره بثقة، مدركًا أن من ينجح لا يُرضي الجميع، لكنه يفرض نفسه بالإنجاز. ومن أراد أن يرى الحقيقة، فلينظر إلى الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى