الوزير والمحامون في مواجهة حامية.. والبرلمان ينتظر مشروعًا لم يصل بعد

حسين العياشي

في خضم السجال المتصاعد بين وزارة العدل وهيئات المحامين حول مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، وانشغال الرأي العام القانوني بسؤال سحب المشروع من البرلمان أو الإبقاء عليه، يطفو إلى السطح سؤال أكثر جوهرية وحرجاً: هل أُحيل هذا المشروع، أصلاً، على البرلمان حتى يُثار الجدل حول سحبه من عدمه؟

فبينما يصرّ وزير العدل عبد اللطيف وهبي على أن الحكومة لا يمكنها سحب مشروع قانون أُودِع لدى المؤسسة التشريعية، وتواصل هيئات المحامين تصعيدها المهني على أساس أن النص بات داخل المسار البرلماني، تؤكد مصادر برلمانية لـ“إعلام تيفي” أن مجلس النواب، إلى حدود اليوم، لم يتوصل رسمياً بمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. وهو ما يضع النقاش الدائر في خانة المفارقة السياسية والتشريعية، ويطرح علامات استفهام حول طبيعة المسار الذي يسلكه هذا المشروع فعلياً.

هذا المعطى، لا يطرح فقط إشكالاً إجرائياً، بل يكشف عن فجوة في التواصل المؤسساتي، وعن التباس عميق بين ما يُناقَش في الفضاء العمومي وما هو مودَع فعلاً داخل القنوات المؤسساتية للتشريع. فالنقاش حول سحب مشروع قانون يفترض، من حيث المنطق الدستوري، أن يكون هذا النص قد أُودِع وأُدرِج ضمن جدول أعمال البرلمان، وهو ما لا تؤكده المعطيات المتوفرة إلى الآن.

وفي هذا السياق، تبرز زاوية أخرى لا تقل دقة، تتعلق بشكل الإحالة المحتمل لمشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، خاصة في ظل اختتام الدورة الخريفية للبرلمان مساء أمس. فبحسب ما تفيده المصادر المفتوحة، فإن السياق المتأخر الذي يأتي فيه المشروع يفتح الباب أمام فرضية اللجوء إلى صيغة “مرسوم بقانون”، استناداً إلى مقتضيات الفصل 81 من الدستور.

هذا الفصل يجيز للحكومة، خلال الفترة الفاصلة بين الدورات البرلمانية، إصدار “مراسيم قوانين”، شريطة الاتفاق المسبق مع اللجان المعنية في كلا المجلسين، على أن تُعرض هذه المراسيم لاحقاً على البرلمان قصد المصادقة خلال دورته العادية الموالية. كما ينص على إيداع مشروع المرسوم بقانون لدى مكتب مجلس النواب، ومناقشته بالتتابع داخل اللجان المختصة في المجلسين، بهدف التوصل إلى قرار مشترك داخل أجل لا يتجاوز (6) ستة أيام، مع ترجيح كفة لجنة مجلس النواب في حال تعذر الاتفاق.

تقنياً، وفي حال لم يتوصل البرلمان بمشورع القانون، وإذا ما خرج مجلس الحكومة غدًا الخميس بصيغة جديدة متوافق عليها، بعد إدماج ملاحظات حزب الاستقلال، فإن تفعيل مسطرة الفصل 81 يظل خياراً دستورياً قائماً، يسمح بالمرور السريع عبر مرسوم بقانون، وتسريع وتيرة المصادقة في زمن سياسي ضاغط.

غير أن هذا الخيار، وإن كان متاحاً من الناحية الدستورية، يظل محفوفاً بحسابات سياسية دقيقة. فالدورة الربيعية المرتقبة، والتي توصف في الأوساط البرلمانية بدورة شكلية من حيث الزمن التشريعي الفعلي، لا تبدو، سياسياً، مناسبة لتمرير قانون مهيكل بثقل قانون تنظيم مهنة المحاماة. كما أن السياق العام يوحي بأن المرحلة المقبلة ستكون مشحونة بمنسوب عالٍ من التوتر السياسي والانتخابي، ما يجعل تمرير نص بهذا الحجم في آخر محطة تشريعية أمراً بالغ الكلفة، سواء من حيث الشرعية السياسية أو من حيث التوافق المجتمعي.

بين جدل السحب وجدوى الإيداع، وبين المسار العادي والاحتمال الاستثنائي لمرسوم بقانون، يجد مشروع قانون المحاماة نفسه في منطقة رمادية، تختلط فيها الحسابات الدستورية بالرهانات السياسية، ويظل فيها السؤال الجوهري معلقاً: هل نحن أمام مشروع داخل المسار التشريعي فعلاً، أم أمام نص لم يغادر بعد دائرة التداول الحكومي، لكنه صار محور مواجهة مفتوحة في الفضاء العام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى