الوكالة المغربية للأدوية تحت المجهر: حكامة ضعيفة واستقلالية ناقصة!

حسين العياشي
في خضم الجدل الدائر حول تصنيف المغرب ضمن مستويات النضج التنظيمي للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، تبرز مؤشرات جديدة تثير علامات استفهام كبيرة حول ما تم ترويجه مؤخرًا من إنجازات رسمية. فالمغرب، وفق معطيات الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، لم يحصل حتى الآن على أي تصنيف رسمي ضمن مستويات النضج التنظيمي المعتمدة دوليًا.
المهمة التي أنجزتها منظمة الصحة العالمية شكلت جزءًا من عملية تدقيق وتقييم شامل للوكالة المغربية للأدوية، شملت المؤشرات القانونية والتنظيمية والتقنية، إلى جانب مقاييس الحكامة والاستقلالية والنجاعة. النتائج، كما توضح الشبكة، كشفت عن اختلالات جوهرية وتوصيات واضحة، تؤكد أنه لا يمكن منح الوكالة أي تصنيف رسمي، ولا سيما مستوى ML3، الذي يتطلب استيفاء 150 مؤشرًا على الأقل، بينما يستلزم ML4 إضافة 118 مؤشرًا آخر بعد ذلك.
والملاحظ، بحسب الشبكة، أن بعض التوصيات الجوهرية لم يتم تنفيذها من قبل إدارة الوكالة، بل ذهب البعض إلى حد استعجال الوزارة لإعادة بعض الأطر السابقة، لتقديمها كفريق مسؤول عن متابعة مؤشرات GBT، في خطوة اعتبرتها الشبكة محاولة للتغطية على الواقع الحقيقي للمؤسسة بعيدًا عن أي تصنيف رسمي.
وتشير الشبكة إلى أن الخلط بين مفهومي التقييم والتصنيف قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام، وإخفاء اختلالات بنيوية عميقة داخل الوكالة، تتعلق بسوء الحكامة، وضعف الاستقلالية، والقدرة الفعلية على ضمان الأمن الدوائي والسيادة الصحية الوطنية منذ إحداثها.
المفارقات لا تتوقف عند هذا الحد، إذ أن المغرب، وفق المعطيات المتوفرة، ضيّع فرصة ثمينة للحصول على تصنيف رسمي، بينما تمكنت دول إفريقية أخرى، أقل موارد مالية وبشرية، مثل غانا ونيجيريا والسنغال وجنوب إفريقيا وتنزانيا وإثيوبيا ومصر، من تحقيق هذا الإنجاز. وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول قدرة الوكالة المغربية على إدارة الموارد العلمية والبشرية المتاحة لها بفعالية.
كما أن مغادرة أكثر من 200 إطار ذي خبرة نحو مديريات أخرى بوزارة الصحة، وانكماش أنشطة الوكالة، وتراجع عدد التصاريح وشهادات التسجيل في قطاعي الأدوية والمنتجات الصحية، ألقى بظلاله على توفير المستلزمات الطبية في المغرب، وترك أثرًا ملموسًا على أسعار الأدوية، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا دون تدخل فعال من الوكالة.
وفي هذا السياق، تؤكد الشبكة على ضرورة احترام حق المواطن في الوصول إلى معلومات صحية دقيقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والعمل الجاد على تنفيذ توصيات منظمة الصحة العالمية بشكل شفاف وفعلي، بدل الترويج لإنجازات غير مثبتة أو الادعاء بالحصول على تصنيفات لم تُمنح بعد.
الواقع، كما ترى الشبكة، يؤكد أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالاختلالات ومواجهتها، لا بتصريحات إعلامية أو بيانات رسمية تمنح وهماً بالنجاح على أداء مؤسسي لم يصل بعد إلى المعايير المطلوبة. والمغرب، إذن، ما زال في انتظار إشعار رسمي وصريح من منظمة الصحة العالمية لتأكيد أي تصنيف للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية.





