اليماني يفضح الهوامش المزيفة: أرباح الغازوال والبنزين أكبر من أرقام مجلس المنافسة

حسين العياشي

كشف مجلس المنافسة في تقريره الثامن حول تتبع التزامات تسع شركات ناشطة في توزيع الغازوال والبنزين بالجملة عن أرقام ومعطيات تخص الربع الثالث من سنة 2025، تعكس صورة أولية لسوق المحروقات بالمغرب. فقد ارتفعت واردات المحروقات إلى نحو 1,91 مليون طن، فيما تراجعت قيمتها الإجمالية قليلاً إلى 12,73 مليار درهم، مع هيمنة شبه مطلقة للغازوال الذي يمثل 88 في المائة من الكميات المستوردة.

وفي الوقت نفسه، سجلت المداخيل الجبائية نمواً ملحوظاً بلغ 7,83 مليارات درهم، أساسها الرسم الداخلي على الاستهلاك، بينما اقتربت مبيعات الشركات من ملياري لتر، مع استقرار الهوامش المعلنة عند حدود درهم ونصف للتر من الغازوال ونحو درهمين للبنزين.

غير أن هذه الصورة الرسمية لم تلقَ قبول الجميع؛ الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، له ملاحظات حول جدوى هذه الأرقام، معتبرًا أن تقارير مجلس المنافسة، رغم انتظامها، لم تجب إلى الآن عن السؤال الجوهري: هل التزمت الشركات فعلاً بقواعد المنافسة الحرة والتعهدات التي قطعتها عقب التسوية التصالحية السابقة؟ بالنسبة له، الأرقام المتعلقة بالاستيراد والكلفة والضرائب تشغل حيزاً كبيراً من التقرير، لكنها لا تكشف شيئاً عن جوهر المهمة الدستورية للمجلس، أي مراقبة السلوك التنافسي والتصدي لأي تواطؤ أو ممارسات احتكارية.

ويذهب اليماني أبعد من ذلك، معتبرًا أن تركيز المجلس على مؤشرات تدخل في صلب اختصاصات مؤسسات أخرى، مثل وزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الانتقال الطاقي، يوحي بمحاولة لتوسيع نطاق تدخله خارج مهمته الأصلية، بدل القيام بدور “دركي المنافسة” كما نصت عليه القوانين.

ويستذكر في هذا السياق الشكاية التي تقدمت بها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، والتي انتهت باعتراف رسمي بوجود تواطؤ بين الفاعلين في الاتفاق على الأسعار، قبل أن يُطوى الملف بما عُرف بغرامة التصالح، مقابل التزام الشركات بمراجعة سلوكها وضمان شفافية السوق.

منذ ذلك الحين، يضيف اليماني، التزم مجلس المنافسة بإصدار تقارير دورية لرصد مدى احترام تلك الالتزامات، إلا أن المتتبع يجد أن هذه التقارير “تتحدث عن كل شيء إلا ما يتعلق فعلياً بالمنافسة”، فهي لا تقدم جواباً واضحاً حول ما إذا توقفت الممارسات المشكوكة فيها، ولا ما إذا استعاد السوق شروط المنافسة الحرة، ولا إن كانت هناك إجراءات زجرية طبقت عند رصد أي اختلال.

وبخصوص الهوامش التجارية، يشكك اليماني في الأرقام الرسمية، معتبراً أنها لا تعكس الواقع الفعلي للأرباح؛ فتقديراته تشير إلى أن هامش الربح الفعلي يتجاوز درهمين للتر بالنسبة للغازوال، وأكثر من ثلاثة دراهم للتر بالنسبة للبنزين، متناقضاً بذلك مع المستويات التي يعلن عنها التقرير. ويستند في ذلك إلى تطور أرباح الشركات منذ تحرير أسعار المحروقات، التي ارتفعت من أقل من 600 درهم للطن قبل التحرير إلى أكثر من 2000 درهم بعده، أي بأكثر من ثلاثة أضعاف، رغم الإجراءات التشريعية والتنظيمية التي تهدف إلى الحد من “نزيف الأسعار”.

وعليه، يرى اليماني أن قانون المنافسة، بدلاً من تحقيق الغاية المعلنة منه في كبح الاحتكار وحماية المستهلك، أفضى عملياً إلى تثبيت وضعية مريحة للفاعلين الكبار، دون أي أثر حقيقي على سلوكهم في السوق. ويظل السؤال الجوهري معلقاً: هل توقفت الشركات فعلاً عن الممارسات التي أُدينت بها سابقاً؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فلماذا لم يستخدم مجلس المنافسة أدواته الزجرية بحزم بدلاً من الاكتفاء بتقارير تقنية تُراكم الأرقام دون حسم جوهر الإشكال؟ سؤال يعيد الجدل حول تحرير المحروقات إلى نقطة الصفر، ويضع دور هيئة التقنين والرقابة تحت مجهر الرأي العام مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى