انتخابات 2026.. حزب أخنوش يوظف إعلانات “السوشيال ميديا” لاختراق لاوعي المغاربة

حسين العياشي
في عالم السياسة المعاصرة، لم تعد الحملات الانتخابية تقتصر على المهرجانات الخطابية أو الجولات الميدانية، بل أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة أساسية لمعركة كسب العقول والقلوب. وفي المغرب، كشف الخبير في التسويق الرقمي حسن خرجوج، في تدوينة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، أن حزب التجمع الوطني للأحرار طور منذ سنة 2018 واحدة من أكثر الحملات الرقمية تنظيماً واستمرارية، معتمداً على أكثر من 7400 إعلان ممول على منصة “فيسبوك”، لا يزال المئات منها نشطاً حتى اليوم، مجسدا بذلك، “ماكينة” سياسية لا تتوقف عن العمل، حتى في غياب الاستحقاقات الانتخابية.
ويشير خرجوج، إلى أن هذه الاستراتيجية تقوم على ما يسميه خبراء التسويق “الوجود الدائم” أو “Always-On”، حيث يحافظ الحزب على حضور متواصل في موجة الأخبار اليومية للمستخدمين، ما يخلق نوعاً من الألفة المتكررة مع صورته وخطابه، حتى لدى فئات من المواطنين التي لا تتابع الشأن السياسي بانتظام. ويتم تعزيز هذا الحضور في اللحظات المفصلية، مثل الحملات الانتخابية أو الأزمات الاجتماعية، عبر رفع ميزانيات الإعلانات واستهداف شرائح محددة بدقة.
ويعتمد الحزب، وفق نفس المصدر، على تقنيات الاستهداف المجهري أو الـ”Micro-Targeting”، التي تتيح توجيه رسائل مختلفة لجماهير مختلفة حسب أعمارهم، مواقعهم الجغرافية، واهتماماتهم المسجلة على المنصة.
فالشاب الباحث عن عمل في الدار البيضاء قد يصله إعلان يعده بفرص تشغيل، كإعلانات 1000فكرة التي تطلقها حاليا شركة “افريقيا” مثلا، بينما يتلقى رب الأسرة في مراكش رسالة حول خفض الأسعار، فيما يحصل الطالب الجامعي على محتوى عن المنح والدعم التعليمي، كالتي أطلقتها حاليا مؤسسة “جود”، وهو ما يجعل الخطاب يبدو شخصياً وملائماً لكل متلقٍ.

ولا يترك القائمون على هذه الآلة الرقمية أي تفصيل للصدفة، إذ يتم اختبار الإعلانات قبل تعميمها عبر تقنية الـ“A/B Testing“، التي تعتمد على نشر نسخ متعددة من نفس الرسالة مع اختلافات طفيفة في النص أو الصور، ثم رصد أي نسخة تحقق أكبر نسبة تفاعل، ليتم تكثيف بثها وسحب النسخ الأقل أداءً.
هذه الاستراتيجية، يواكبها استخدام أدوات تقنية متقدمة مثل “Meta Pixel” ووسوم “UTM”، التي تمكّن من تتبع زوار الموقع والمشاهدين والمتفاعلين مع المحتوى، ثم إعادة استهدافهم بإعلانات جديدة أكثر إقناعاً، في عملية متدرجة تشبه ما يسميه خبراء التسويق “قمع التحويل” أو “Funnel”، تبدأ بمرحلة الوعي، مروراً بالإقناع، وصولاً إلى الدعوة المباشرة للتصويت أو الانضمام للحزب.
وأكد مصدر من داخل الحزب، أن هذه الحملة ليست عملاً عشوائياً أو موسمياً، بل تقف خلفها فرق متكاملة أشبه باستوديوهات إنتاج رقمية، تضم مصممين، منتجي محتوى، محللي بيانات، ومديري حملات، يراقبون أداء الرسائل في الزمن الحقيقي ويعدّلونها بشكل فوري، تماماً كما تفعل كبرى الشركات الإعلانية العالمية. مضيفا أن الحزب التجمع الوطني للأحرار، هو الآن في طور إعداد وتسجيل ترسانة من الفيديوهات التي يرتقب أن تمطر تباعا على عقل المواطنين، وبتركيز أكثر على الناخبين.
ويعتمد هذا النهج على مبدأ نفسي معروف في التسويق، وهو أن التكرار يولد الألفة، والألفة تولد الثقة، خاصة إذا تزامنت الرسائل مع لحظات يكون فيها الجمهور أكثر حساسية، مثل أوقات الغضب من غلاء المعيشة أو القلق من البطالة.
غير أن هذه الفعالية الرقمية تطرح في المقابل إشكالات أخلاقية وسياسية معقدة، من بينها خطر التأثير على اللاوعي الجماعي دون إدراك المتلقي، وصعوبة التمييز بين المحتوى العضوي والمحتوى الممول، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بالخصوصية واستغلال البيانات الشخصية لأغراض سياسية، فضلاً عن خلق فجوة تنافسية بين الأحزاب المقتدرة مالياً وتلك التي لا تملك الوسائل نفسها.
ويعتبر خبراء الإعلام، أن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بحظر الإعلانات السياسية كلياً، بل عبر فرض شفافية صارمة حول هوية الممولين وطبيعة الرسائل، إلى جانب تعزيز الثقافة الرقمية لدى المواطنين لوضعهم في موقع المتلقي الواعي.

ويخلص خرجوج إلى أن ما يقوم به حزب التجمع الوطني للأحرار يتجاوز إطار «الإعلانات الممولة» إلى نموذج متكامل لصناعة الوعي السياسي في العصر الرقمي، حيث تتحول المنصات الاجتماعية إلى ساحات انتخابية دائمة، وتصبح البيانات الشخصية وقوداً لخطاب سياسي مُصمَّم بدقة، في معركة تحسمها الخوارزميات قبل صناديق الاقتراع.





