بعد قرار المحكمة الدستورية.. بوانو يتهم الحكومة بتحدي الدستور في قانون مجلس الصحافة

حسين العياشي
أعادت المحكمة الدستورية مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما قررت إرجاع بعض مقتضياته إلى المسطرة التشريعية لترتيب الآثار القانونية المترتبة عن مخالفتها للدستور. ووفق ما انتهت إليه المحكمة، فإن خمس مواد اعتُبرت غير منسجمة مع المقتضيات الدستورية، ويتعلق الأمر بالفقرة الأخيرة من المادة الرابعة، والبند “ب” من المادة الخامسة، ثم المواد 49 و57 في فقرتها الأولى، إضافة إلى المادة 93، وهي مواد تمس، بشكل مباشر أو غير مباشر، ببنية المجلس وكيفيات تشكيله واختصاصاته.
القرار، الذي لا ينسف المشروع بالكامل، يفرض عملياً إعادة فتح النقاش البرلماني حول هذه المقتضيات، وإدخال تعديلات جوهرية قبل مواصلة المسار التشريعي، في ملف يُعد من أكثر الملفات حساسية لارتباطه بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة وضمانات استقلالها.
وفي هذا السياق، اعتبر عبد الله بوانو، النائب البرلماني عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، أن ما وقع كان متوقعاً، بالنظر إلى طبيعة المواد التي طعن فيها من حيث علاقتها المباشرة بتشكيل وتأليف المجلس، ما يعني، في نظره، أن القانون سيعود إلى الحكومة من أجل ترتيب الآثار اللازمة، والاشتغال مجدداً على مشروع قانون بصيغة جديدة.
بوانو لم يُخفِ انتقاده لما وصفه بإصرار الوزير الوصي والحكومة وأغلبيتها البرلمانية على تمرير النص، رغم ما وُجه إليه من تنبيهات صادرة عن مؤسسات دستورية، وهيئات مهنية، ومعارضة برلمانية، وخبراء وأكاديميين، أجمعوا، بحسب تعبيره، على أن المشروع يتضمن مقتضيات تصطدم بوضوح مع الدستور. ومن أكثر النقاط إثارة للجدل، في نظره، تلك المرتبطة بالتنظيم الذاتي وعنصر الاستقلالية المؤطر بنص دستوري صريح لا يقبل التأويل، وهو ما تجلى، حسب قراءته، في طريقة تأليف المجلس، وعدم التناسب بين مكوناته، وكيفيات تمثيل الفئات، ولا سيما فئة الناشرين.
ويرى المتحدث أن سقوط المقتضيات المرتبطة بالتأليف كان أمراً طبيعياً، سواء تلك المتعلقة بالجمعية العامة أو بصلاحيات الرئيس أو بالصلاحيات المسندة لبعض المكونات دون غيرها، لأنها تمس بمبادئ جوهرية في التنظيم الذاتي، في مقدمتها الديمقراطية والمساواة والتوازن بين الفاعلين. كما ذكّر بأن المعارضة، إلى جانب مجموعته النيابية، كانت سباقة إلى إثارة هذه الإشكالات داخل البرلمان، ودعت إلى توسيع النقاش وحذف المواد المثيرة للجدل، والعمل على تجويد النص عبر مقاربة تشاركية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار مقترحات الهيئات المهنية وعموم الصحافيين، والبناء على ما راكمه المغرب في مجال التنظيم الذاتي منذ دستور 2011، مع استحضار التجارب المقارنة، غير أن هذا المسار، بحسبه، لم يلقَ آذاناً صاغية.
وفي قراءة سياسية أوسع، ربط بوانو قرار المحكمة بما اعتبره اختلالاً بنيوياً في طريقة اشتغال الحكومة في المجال التشريعي، مشيراً إلى سحب عدد من القوانين في بداية الولاية، وتعطيل أخرى، ومرور بعض النصوص عبر المراسيم بدل المسطرة التشريعية العادية، مقابل رفض مقترحات القوانين التي تتقدم بها المعارضة. واعتبر أن قرار المحكمة الدستورية يشكل، في جوهره، تأكيداً على أن هذه المرحلة كانت، في نظره، محطة معطِّلة لمسار تنزيل الدستور، ومحاولة لتغيير اتجاه سياسي سابق، وهو ما يستدعي، حسب تعبيره، العودة إلى روح الدستور عبر المشاركة الواسعة في الاستحقاقات المقبلة، وضمان صحافة وطنية مستقلة تؤدي رسالتها بعيداً عن منطق التحكم أو الضبط، سواء عبر المال أو عبر توظيف مساطر زجرية أو عبر إضعاف المؤسسات من الداخل.
وبينما ينتظر أن يعود مشروع القانون إلى البرلمان بصيغة معدلة، يفتح قرار المحكمة الدستورية من جديد نقاشاً عريضاً حول حدود تدخل السلطة التنفيذية في تنظيم المهنة، وحول الكيفية التي يمكن بها التوفيق بين متطلبات التقنين وضمانات الاستقلال، في قطاع يظل في صلب معادلة الحقوق والحريات كما رسمها الدستور.





