بولعجول: “السلامة الطرقية علم متعدد التخصصات والعامل البشري في صلب المعادلة”
فاطمة الزهراء ايت ناصر
في مداخلته خلال الجلسة الافتتاحية للندوة الدولية حول البحث العلمي في مجال السلامة الطرقية، ركّز بناصر بولعجول، المدير العام للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، على البعد العلمي والمعرفي لقضية السلامة الطرقية، معتبراً أنها لم تعد مجرد ملف إداري أو أمني، بل تحوّلت إلى حقل علمي قائم الذات ومتعدد التخصصات.
أوضح بولعجول أن مفهوم السلامة الطرقية عرف تحوّلا عميقا خلال العقود الستة الماضية. ففي بداياته، كان التعاطي مع حوادث السير يقتصر على جمع المعطيات الإحصائية ووصف الظاهرة، قبل أن يتطور تدريجيا ليصبح تخصصا علميا يدمج عدة مجالات معرفية، من بينها الهندسة، والطب، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، وصولاً إلى علوم البيانات والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن ستينيات وسبعينيات القرن الماضي شكّلت لحظة وعي عالمي بحجم التكلفة البشرية والاقتصادية لحوادث السير، ما دفع الأبحاث آنذاك إلى التركيز أساسا على تحسين سلامة المركبات (كأحزمة الأمان والوسائد الهوائية) وتطوير البنية التحتية الطرقية.
توقف بولعجول عند التحول نحو ما يُعرف بمقاربة “النظام الآمن”، التي تقوم على الإقرار بأن الخطأ البشري أمر حتمي، وبالتالي يجب تصميم منظومة النقل بشكل يقلّص من عواقب هذه الأخطاء ويحدّ من خطورتها. وأكد أن هذا التوجه تعزز بفضل جهود المنظمات الدولية، خاصة منظمة الصحة العالمية، التي جعلت من السلامة الطرقية رهانا للصحة العامة والتنمية المستدامة.
رغم التقدم التكنولوجي، شدد بولعجول على أن العامل البشري يظل المحدد الرئيسي في معادلة السلامة الطرقية. واستعرض نتائج دراسات أُنجزت منذ ثمانينيات القرن الماضي، أظهرت تأثير السرعة المفرطة، والقيادة تحت تأثير الكحول أو المواد المؤثرة عقلياً، وعدم احترام وسائل الحماية، واستعمال الهاتف المحمول أثناء السياقة.
كما أشار إلى دور الانحيازات المعرفية والتمثلات الثقافية في توجيه سلوك السائقين، معتبراً أن فهم هذه الأبعاد السلوكية والنفسية يظل شرطاً أساسياً لصياغة سياسات فعالة.
وأكد المدير العام أن المغرب جعل من تعزيز البحث العلمي محوراً استراتيجياً منذ سنة 2011 ضمن المخطط الاستراتيجي الثالث للسلامة الطرقية. وشدد على أن بلوغ أهداف الاستراتيجية الوطنية لا يمكن أن يتحقق دون سند تقني مهيكل ومواكبة علمية دقيقة تضمن نجاعة السياسات العمومية.
وفي هذا السياق، ذكر بالاتفاقية الموقعة سنة 2015 بين وزارة النقل والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، والتي أثمرت إنتاجاً علمياً مهماً شمل مقالات دولية وبراءات اختراع ونماذج أولية وأطروحات دكتوراه، ما يعكس قدرة الجامعة المغربية على إنتاج بحث تطبيقي ذي قيمة مضافة.
كما أعلن عن توسيع هذه الدينامية عبر شراكات مع مؤسسات جامعية كبرى، من بينها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، والجامعات الدولية بالرباط والدار البيضاء، والجامعة الأورومتوسطية بفاس، وجامعة القاضي عياض بمراكش، في أفق تعزيز التعاون البحثي للفترة 2026-2030.





