بين التشجيع والنظام.. هذه تفاصيل المكاتب القضائية التي غيرت وجه التنظيم الرياضي

حسين العياشي

احتضنت الملاعب المغربية خلال كأس إفريقيا للأمم تجربة قضائية غير مسبوقة، تمثلت في إحداث مكاتب قضائية ميدانية داخل الفضاءات الرياضية، في خطوة تهدف إلى دمج العدالة والأمن القانوني ضمن تنظيم التظاهرات الكبرى. وفي تصريح له، أكد الباحث في العلوم القانونية، عادل بعيز، أن هذه المبادرة تمثل امتداداً لمفهوم السياسة الجنائية في المغرب، وتجسيداً عملياً لمنظومة مؤسساتية متكاملة تجمع بين النيابة العامة، السلطة القضائية، وزارة العدل، والقطاع الرياضي.

وفي تصريحه لـ“إعلام تيفي”، أوضح عادل بعيز أن إحداث المكاتب القضائية داخل الملاعب يندرج ضمن تصور قانوني ومؤسساتي متكامل، يستند إلى منظومة قانونية متعددة المستويات، تشمل قانون المسطرة الجنائية الذي يمنح النيابة العامة سلطة الإشراف على البحث الجنائي والتتبع الفوري للأفعال الإجرامية، والقانون الجنائي الذي يحدد الأوصاف والعقوبات، إضافة إلى القانون رقم 09.09 المتعلق بالعنف في التظاهرات الرياضية، الذي أرسى إطاراً خاصاً للزجر والوقاية من السلوكيات العنيفة داخل الفضاءات الرياضية.

وأضاف المتحدث أن هذا التوجه يستند أيضاً إلى المادة 51 من القانون رقم 03.23 المتعلقة بالسياسة الجنائية، والتي تعتبر جزءاً من السياسات العمومية الهادفة إلى مكافحة الجريمة والوقاية منها، مع إشراف النيابة العامة على تنفيذها ميدانياً.

في السياق ذاته، أشار بعزيز إلى أن هذه المكاتب القضائية تمثل أداة عملية لترجمة السياسة الجنائية داخل المجال الرياضي، ضمن مقاربة تقوم على الردع الوقائي، السرعة في التدخل، وتقريب العدالة من المواطن. كما شدد على أن هذا التوجه يعزز التقائيات بين السياسات العمومية، حيث اضطلعت وزارة العدل بالجانب الإداري واللوجستيكي بالشراكة مع السلطة القضائية والنيابة العامة، بما يعكس تنسيقا مؤسساتياً يهدف إلى تحقيق النجاعة القضائية وضمان أمن التظاهرات الكبرى وفق رؤية قانونية حديثة ومتوازنة تجمع بين حماية النظام العام وصيانة الحقوق والحريات.

أما بالنسبة لأهداف المكاتب القضائية، يعتبر المتحدث أن إحداثها يهدف إلى تجسيد تصور حديث للإدارة القضائية، يقوم على تقريب العدالة من المواطن، وتحقيق الأمن القانوني، وحفظ النظام العام داخل فضاء رياضي يعرف كثافة بشرية وحساسية أمنية خاصة. مضيفًا أن هذه المكاتب لا تعمل بمنطق الجهاز الجامد، بل بمنطق المؤسسة الحية المتفاعلة مع المجتمع ومخاطره المستجدة، حيث تلعب دوراً محورياً في استتباب الأمن وضبط المخالفات من خلال الحضور الفوري للنيابة العامة وممثلي السلطة القضائية، واستصدار الإشعارات والتعليمات القانونية اللازمة عند ضبط الجرائم في حالة تلبس، وفق التطبيق السليم لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، مع ضمان سرعة التدخل، وفعالية الزجر، واحترام الضمانات القانونية للأشخاص المشتبه فيهم.

وحول الإحصاءات، أشار بعيز إلى أن المبادئ الجنائية المغربية تنص على إقليمية القانون، ما يعني تطبيق القانون الجنائي على كل الأفعال المخالفة داخل التراب الوطني، سواء ارتكبها مواطن أو أجنبي. وأضاف أن هذا يشمل التظاهرات الرياضية الكبرى، مع تطبيق القوانين المنظمة للعنف في الملاعب وقوانين دخول وإقامة الأجانب عند الاقتضاء، بما في ذلك التدابير الإدارية المتعلقة بالإبعاد أو الطرد.

وأوضح بعيز أن رئاسة النيابة العامة أكدت أن المكاتب القضائية داخل الملاعب استفادت من حضور قضائي مكثف وفرق عمل مدربة، وتمكنت من معالجة القضايا مباشرة في عين المكان، مع الاستعانة بأكثر من 800 كاميرا مراقبة داخل المنشآت الرياضية لتعزيز ضبط أي فعل جرمي تلبسي.

وذكر بعيز أن الأرقام الرسمية أظهرت معالجة 152 مخالفة قانونية متنوعة خلال منافسات البطولة، شمل التحقيق فيها 128 شخصاً من جنسيات مختلفة، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام قد ترتفع بعد اكتمال التحريات، خاصة بعد المباريات التي شهدت مظاهر شغب جماهيري.

وفي قراءته لتركيبة المؤسسات المشرفة على هذه المكاتب، أكد بعيز أن النيابة العامة تمثل القلب النابض للتجربة، حيث تشرف مباشرة على عمل المكاتب، توجه البحث، تصدر الإشعارات والتعليمات الفورية، وتتخذ القرارات القضائية المناسبة في حالات التلبس، بما يضمن تطبيقاً صارماً للسياسة الجنائية وفق القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، إضافة إلى قوانين مكافحة العنف في الملاعب.

وأوضح أن السلطة القضائية تضمن احترام حقوق الأطراف والشرعية الإجرائية، فيما تتولى وزارة العدل الجانب اللوجستي والتنسيقي لضمان سير المكاتب بكفاءة، ويشارك القطاع الرياضي في الجانب التنظيمي لضمان انسيابية التظاهرات الكبرى وتحقيق شروط الأمن القانوني داخل الملاعب، بينما تتكفل الأجهزة الأمنية بتنفيذ التعليمات القضائية وتحري المخالفات ميدانياً تحت إشراف النيابة العامة.

وختم عادل بعيز بالقول إن هذه المنظومة تمثل نموذجاً مغربياً حديثاً لإدارة العدالة داخل الفضاء الرياضي، يجمع بين العدالة السريعة، الأمن القانوني، احترام الحقوق، والتنسيق بين السياسات العمومية، ما جعل تجربة كأس إفريقيا للأمم 2025 في المغرب نموذجاً رائداً على المستوى الإفريقي والدولي في دمج القانون والتنظيم الرياضي ضمن منظومة متكاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى