بين النمو الأخضر والإصلاحات الهيكلية.. ماذا يربح المغرب من الشراكة المالية مع الاتحاد الأوروبي؟ (حوار)

أميمة حدري: صحافية متدربة
عزّز الاتحاد الأوروبي، خلال سنة 2025، حضوره كشريك استراتيجي محوري للمغرب، من خلال تخصيص دعم ميزانياتي بقيمة 2.48 مليار درهم، أي ما يعادل 233.42 مليون أورو، لمواكبة مسار الإصلاحات الوطنية الكبرى ودعم الأوراش ذات الأولوية. ويهم هذا الدعم مجالات حيوية تمتد من تعزيز التنمية البشرية وتقوية التماسك الترابي، إلى تسريع الانتقال الأخضر وتحفيز النمو الاقتصادي، في انسجام مع التوجهات الاستراتيجية للمملكة وأولويات الاتحاد الأوروبي.
ويأتي هذا التعاون في سياق دقيق يتزامن مع تخليد الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاق الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ومع تنزيل الميثاق الجديد من أجل المتوسط، الرامي إلى إعطاء دفعة جديدة للتعاون الأورو-متوسطي. وفي هذا الإطار، يجيب رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، عن أسئلة تهم دلالات هذا الدعم، وآفاقه الاقتصادية والبيئية، وانعكاساته على موقع المغرب إقليمياً.
ما تقييمكم لمستوى التمويل الذي خصصه الاتحاد الأوروبي للمغرب هذه السنة؟ وكيف يمكن أن يؤثر على النمو الاقتصادي المغربي خلال السنوات القادمة؟
أعتقد أن حجم التمويل الذي عبّأه الاتحاد الأوروبي لفائدة المغرب منذ سنة 2022، والذي ناهز 2.48 مليار درهم، يُعد تمويلاً وازناً من حيث الدلالة السياسية والاقتصادية أكثر من كونه رقماً مالياً صرفاً، إذ يعكس ثقة أوروبية متجددة في مسار الإصلاحات الهيكلية التي باشرها المغرب، كما يؤكد مكانته كشريك استراتيجي مستقر في الضفة الجنوبية للمتوسط.
ورغم أن هذا المبلغ لا يُعد حاسماً بالنظر إلى حجم الاقتصاد المغربي واحتياجاته التمويلية الكبرى، فإنه يكتسي أهمية نوعية لكونه موجهاً لقطاعات ذات أثر مضاعف، مثل الحماية الاجتماعية، والتعليم العالي، والحكامة الترابية، والإدارة العمومية.
أما على مستوى الأثر المستقبلي على النمو الاقتصادي، فإن طبيعة هذا التمويل، القائم على الدعم الميزانياتي المشروط بتحقيق مؤشرات أداء، تجعله رافعة غير مباشرة للنمو، إذ يساهم في تحسين جودة الرأسمال البشري، وتقوية التماسك الاجتماعي والترابي، ورفع نجاعة السياسات العمومية، وهي عناصر أساسية لإرساء نمو مستدام وليس ظرفياً. وإذا ما تم توظيف هذه الموارد بشكل منسجم مع النموذج التنموي الجديد، فإنها قد تسهم خلال السنوات المقبلة في تحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الإنتاجية، وتقليص الفوارق المجالية، وهو ما ينعكس إيجاباً على وتيرة النمو وجودته.
ما تأثير الدعم الأوروبي في مجالي الطاقة المتجددة والانتقال الأخضر على تحقيق أهداف المغرب البيئية؟
الدعم الأوروبي الموجّه لقطاع الطاقات المتجددة والانتقال الأخضر يُعد رافعة أساسية لتسريع تحقيق الأهداف البيئية للمغرب، خاصة في ما يتعلق بالالتزامات المناخية وخفض الانبعاثات الكربونية. فمواكبة إصلاحات سوق الكهرباء، واعتماد آليات للكهرباء المستدامة، ودعم التحول البنيوي للمؤسسات الطاقية، كلها عناصر تسهم في إرساء منظومة طاقية أكثر مرونة واستدامة. كما أن انسجام هذا الدعم مع الاستراتيجيات الوطنية، مثل الانتقال الطاقي والحياد الكربوني، يعزز مصداقية المغرب كشريك موثوق في القضايا البيئية العالمية.
وإلى جانب البعد البيئي، يكتسي هذا الدعم بعداً اقتصادياً وتنموياً مهماً، إذ يساهم في تقليص التبعية الطاقية، والحد من كلفة الاستيراد، وتحفيز الاستثمار في سلاسل قيمة جديدة مرتبطة بالطاقات النظيفة. كما يفتح آفاقاً واعدة لخلق فرص شغل مؤهلة، خاصة في مجالات الهندسة الطاقية، والصناعة الخضراء، والهيدروجين الأخضر. وبالتالي، فإن الدعم الأوروبي لا يساهم فقط في تحقيق أهداف بيئية، بل يضع أيضاً أسس تحول اقتصادي أخضر يعزز تنافسية الاقتصاد المغربي على المدى المتوسط والطويل.
ما تقييمكم لآليات الرقابة والمتابعة المرتبطة بصرف هذه الأموال؟ وكيف ترون تأثير هذا الدعم على موقع المغرب الاقتصادي في المنطقة؟
تتميز آليات الدعم الميزانياتي الأوروبي بكونها قائمة على مبدأ «الدفع مقابل النتائج»، حيث يُشترط صرف التمويلات بتحقيق أهداف ومؤشرات متفق عليها مسبقاً، وهو ما يعزز منطق الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويدفع الإدارات العمومية إلى تحسين قدراتها في التخطيط والتنفيذ والتقييم. غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بمدى توفر الشفافية، وجودة المعطيات، وقدرة المؤسسات الوطنية على التتبع والتنسيق، حتى لا يتحول الالتزام بالمؤشرات إلى تمرين تقني معزول عن الأثر الفعلي على المواطن.
أما على مستوى الموقع الاقتصادي الإقليمي، فإن هذا الدعم يعزز تموقع المغرب كمنصة استقرار وإصلاح في منطقة تعاني من اختلالات بنيوية وتوترات جيوسياسية. فتعميق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي يمنح المغرب أفضلية نسبية في جذب الاستثمارات، والاندماج في سلاسل القيمة الأوروبية، والاضطلاع بدور محوري في الربط بين أوروبا وإفريقيا. ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الدعم إلى قوة تفاوضية وسيادية، تمكّن المغرب من الانتقال من منطق «المتلقي للدعم» إلى شريك مبادر، يفرض أولوياته التنموية ويستثمر موقعه الجغرافي والسياسي لتعزيز إشعاعه الاقتصادي إقليمياً وقارياً.





