تازة تستحق أكثر من تجميل عابر.. تستحق تشويرا مروريا يليق بتحولاتها

جمال بلــــة
هل ستتحول التهيئة الحضرية بتازة من مجرد تحسين شكلي إلى إصلاح حقيقي يضع تنظيم السير في صلب الأولويات، أم سيظل التشويش المروري العنوان الأبرز في يوميات المدينة؟

على الرغم من الأوراش التي عرفتها مدينة تازة خلال السنوات الأخيرة في إطار ما يوصف ببرامج التهيئة الحضرية، ما يزال مشكل التشويش المروري قائما، بل ويتفاقم في عدد من المدارات غير المزودة بالأضواء الثلاثية، حيث تتحول إلى نقاط سوداء يومية تؤرق السائقين والراجلين على حد سواء.

ويرى متتبعون أن ما تحقق على مستوى تعبيد الطرق أو تجميل الفضاءات لا يكفي إن لم يواكَب برؤية متكاملة لتنظيم السير، فمدارات تعرف كثافة مرورية مرتفعة تركت دون وسائل ضبط فعالة، ما جعلها فضاءات مفتوحة للاجتهاد الفردي بدل احترام قواعد واضحة.

في أوقات الذروة، يصبح الولوج إلى بعض المدارات مغامرة حقيقية، حيث تغيب الأسبقية، وتختلط المسارات، ويضطر السائقون إلى فرض المرور بدل الاستفادة من حق تنظمه القوانين، واستمرار الوضع على حاله يفرغ مشاريع التهيئة من مضمونها، لأن جودة الحياة الحضرية لا تقاس فقط بجمالية الشوارع، بل بمدى انسيابية التنقل وأمانه.

المدارات غير المزودة بالأضواء الثلاثية تحولت، في عدد من النقاط، إلى بؤر توتر يومي. اختلاط في المسارات، أسبقية تنتزع بدل أن تحترم، وارتباك يتضاعف في أوقات الذروة، الصورة هنا لا تتعلق بحالة عابرة، بل بمؤشر على خلل في هندسة التدبير “تحديث في البنية دون تحديث موازٍ في التشوير المروري”.

إن التهيئة الحضرية ليست طلاء إسفلتيا جديدا، ولا مجرد تجميل بصري للفضاء العام، إنها رؤية متكاملة توازن بين البنية والتدبير، والمدارات التي تشهد ضغطا مروريا متزايدا لا يمكن أن تترك لمنطق “لي سبق يدوز”، في غياب وسائل تنظيم فعالة.

اليوم، بتازة لم يعد النقاش يدور حول وجود المشكل من عدمه، بل حول الإرادة الفعلية لمعالجته، فإعادة تقييم وضعية المدارات، ودراسة إمكانية تزويد بعضها بأضواء ثلاثية، أو اعتماد حلول تنظيمية بديلة، لم تعد ترفا بل ضرورة ملحة.

ومازاد الطين بلــة أن مدينة تازة أصبحت تعيش على وقع اختناق مروري متصاعد، ما زاد هذا الوضع تعقيدا هو ما تعرفه ساحة زرقطوني من فوضى عارمة في ركن السيارات، في مشهد يومي يعكس خللا واضحا في تدبير الفضاء العام، الساحة التي يفترض أن تكون نقطة تنظيم وانسياب، تحولت إلى بؤرة ارتباك دائم، حيث تركن السيارات في كل اتجاه، وتحتل الساحة، ويدفع الراجلون إلى السير وسط الطريق.

زد على ذلك أن تشوير “المنع” بالمدينة أصبح أكثر حضورا، فعلامات تشوير تمنع الوقوف هنا، وأخرى تمنع المرور هناك، وإغلاق بعض المنافذ بدعوى تحسين السير، لكن النتيجة على الأرض كانت عكسية، بدل أن تحل الأزمة، بدا وكأن المدينة أُغلقت على نفسها، وتقلصت مساحات الحركة، وازدادت نقاط الاختناق.

توسيع دائرة المنع دون توفير بدائل عملية لركن السيارات أو مسارات بديلة مدروسة، جعل المواطن التازي أمام خيارات محدودة، إما الدوران المتكرر في حلقات مفرغة بحثا عن مكان شاغر، أو الركن العشوائي تحت ضغط الحاجة، وهكذا تتراكم السيارات، ويتضاعف التوتر، ويتحول الفضاء العام إلى ساحة صراع صامت بين مستعملي الطريق.

المشكل لم يعد سلوكا فرديا معزولا، بل نتيجة مباشرة لغياب رؤية شمولية في تدبير الحركية، والاكتفاء برفع لافتات المنع لا ينتج نظاما، بل يفاقم الشعور بالارتباك ويغذي الفوضى.

الأخطر أن انعكاسات هذا الوضع لا تقتصر على بطء السير، بل تمس السلامة الطرقية وصورة المدينة في آن واحد، فحين تتحول الأرصفة إلى مواقف غير قانونية، وحين يجبر الراجل على منافسة السيارة في مجالها، فإن الخلل يصبح بنيويا لا ظرفيا.

اليوم، لم يعد النقاش حول وجود الفوضى من عدمه، بل حول جدوى المقاربة المعتمدة، هل يكفي تضييق الخناق بعلامات المنع، أم أن المدينة في حاجة إلى إعادة نظر شاملة في تنظيم ركن السيارات وتدبير السير والتشوير؟ الرهان الحقيقي ليس في إغلاق المنافذ، بل في فتح أفق حلول متوازنة تعيد للمدينة انسيابها المفقود.

فالمدينة التي تسعى إلى تحسين صورتها، مطالَبة أولا بتحسين جودة تنقل ساكنتها.
إنها لحظة مساءلة هادئة لكنها ضرورية: هل نريد تهيئة تلتقط في الصور، أم مدينة تدار بحكمة في التفاصيل اليومية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى