تدهور الخدمات الصحية بالجهة الشرقية يجر مديرية الصحة إلى دائرة المساءلة

زوجال قاسم
تعاني المنظومة الصحية بالجهة الشرقية من اختلالات متراكمة لم تعد خافية، سواء على المرتفقين أو على مهنيي القطاع، في ظل ضغط متزايد على المرافق العمومية وتفاوت صارخ في جودة الخدمات بين المؤسسات الصحية.
واقع يطرح أسئلة جوهرية حول نجاعة التدبير، وحدود المسؤولية والمساءلة في قطاع يفترض أن يحتل موقعاً مركزياً ضمن السياسات الاجتماعية، لا أن يتحول إلى مصدر قلق يومي للمواطنين.
في هذا السياق، حذّرت النقابة الوطنية للصحة العمومية، المكتب الجهوي بجهة الشرق، مما وصفته بـ”التدهور الخطير والمتواصل” الذي تعرفه الخدمات الصحية بالجهة، محمّلةً المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية المسؤولية الكاملة عن اختلالات بنيوية وتدبيرية أضرت بحقوق المرضى وبصحة المواطنين.
وجاء ذلك في مراسلة رسمية موجّهة إلى والي جهة الشرق، اطّلع عليها موقع “إعلام تيفي”، أكدت فيها النقابة أن المنظومة الصحية الجهوية تعيش وضعاً وصفته بـ”الكارثي”، نتيجة ما اعتبرته إصراراً على نهج المحاباة وسوء تدبير الموارد البشرية الطبية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات، وعمّق معاناة المرتفقين، وخلق توترات ذات أبعاد اجتماعية وأمنية.
اختلالات تدبيرية ونقص حاد في الأطر
وأبرزت الوثيقة أن المديرية الجهوية، بدل الاضطلاع بدورها الطبيعي كرافعة لدعم الجهود الطبية، تحولت – بحسب تعبير النقابة – إلى عائق رئيسي، نتيجة اعتماد معايير “المحسوبية والزبونية” في التعيينات والتنقيلات، ما أدى إلى اختلال خطير في توزيع الأطر الطبية بين المؤسسات الصحية.
وسجّل المصدر ذاته وجود مراكز صحية تفتقر كلياً إلى أطباء، مقابل مؤسسات أخرى تعاني ضغطاً مهولاً بسبب الاكتظاظ، حيث يُترك طبيب واحد لمواجهة أعداد كبيرة من المرضى، دون إمكانية حقيقية لتقديم علاج فعّال، الأمر الذي يحوّل هذه المرافق إلى مجرد فضاءات لـ“ملء الفراغ” دون مردودية صحية حقيقية.
كما نددت النقابة بنقل أطباء أكفاء، وفي عز عطائهم، من أقسام حيوية كالجراحة والمستعجلات إلى مهام إدارية أو مصالح استقبال لا تستفيد من تخصصهم، معتبرة ذلك تبديداً للكفاءات وضرباً لمبدأ النجاعة في تدبير الموارد البشرية.
مستشفى القرب بالسعيدية في قلب الانتقادات
وسلّطت النقابة الضوء على وضعية مستشفى القرب بالسعيدية، معتبرة أن حرمانه من طبيبين اختصاصيين في أمراض النساء والتوليد وطب الأطفال، رغم تعيينهما رسمياً بالمؤسسة، يشكل إجحافاً في حق ساكنة المدينة وزوارها، خاصة في ظل اشتغال الطبيبين حالياً بمستشفى الدراق بمدينة بركان.
كما طالبت بفتح قسم خاص بمتابعة الصحة النفسية للمرأة بعد الولادة بالمستشفى نفسه، مع ضمان بقاء الأمهات لمدة لا تقل عن 48 ساعة داخل جناح الولادة (Suite de couche)، وتوفير شروط الراحة والتجهيزات الضرورية، بدل إخراج النساء مباشرة بعد الوضع في ظروف وصفتها بـ”غير الإنسانية”.
مطالب واضحة وتحذير من التصعيد
ودعت النقابة والي جهة الشرق إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بحالة الاختلال التي تطبع تدبير القطاع الصحي بالجهة، محذّرة من أن استمرار الوضع الحالي يهدد التوازن الهش للمنظومة الصحية، ويعمّق معاناة المرتفقين والأطر الصحية على حد سواء.
وفي هذا الإطار، طالبت بإجراء مراجعة شاملة وعادلة لخريطة توزيع الأطر الطبية، اعتماداً على معايير موضوعية تراعي حجم الخصاص الحقيقي بالمؤسسات الصحية، مع منح الأولوية للمراكز والمستشفيات التي تعرف ضغطاً متزايداً ونقصاً حاداً في الموارد البشرية، بما يضمن الحد الأدنى من التوازن في تقديم الخدمات.
كما شددت على ضرورة تصحيح ما اعتبرته اختلالات ناجمة عن إبعاد عدد من الأطباء عن مجالات تخصصهم، داعية إلى إعادة توجيههم نحو مواقع الحاجة الفعلية، حتى تتمكن المؤسسات الصحية من الاستفادة من كفاءاتهم العلمية والتقنية، وتحقيق النجاعة المطلوبة في التكفل بالحالات المرضية.
وأكدت النقابة، في الوقت ذاته، على أهمية اعتماد معايير واضحة وشفافة في التعيينات والتنقيلات، تقوم على الكفاءة المهنية وحاجيات المرفق الصحي، بدل منطق الولاءات والاعتبارات الضيقة، معتبرة أن غياب الحكامة في هذا الجانب يشكل أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم الأزمة.
وختمت بدعوة صريحة إلى فتح تحقيق إداري جدي ونزيه في جميع الممارسات التي وصفتها بالمخالفة لأخلاقيات الوظيفة العمومية، مع ترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من ثبت تورطه، بما يعيد الثقة في الإدارة الصحية ويفتح الباب أمام مسار إصلاحي حقيقي بالجهة الشرقية.
ومع تصاعد حدة الاحتقان داخل القطاع، يبقى مستقبل الخدمات الصحية بالجهة رهيناً بقدرة الجهات الوصية على الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى إصلاح فعلي يقوم على الحكامة والإنصاف.





