تقرير المجلس الأعلى للحسابات يكشف الكلفة الخفية لتحلية مياه البحر

حسين العياشي

أعاد التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات فتح ملف الكلفة الحقيقية لتحلية مياه البحر بالمغرب، كاشفًا عن اختلال بنيوي آخذ في الاتساع بين كلفة إنتاج المتر المكعب من الماء المحلّى والتعريفة المعتمدة عند تسويقه للزبناء، في وقت باتت فيه المملكة تراهن بشكل متسارع على هذا الخيار باعتباره أحد الأعمدة الرئيسية للسياسة الوطنية في مواجهة الإجهاد المائي.

وحسب التقرير السنوي برسم 2024–2025، فقد بلغت كلفة إنتاج المتر المكعب من الماء المحلّى في عدد من المحطات مستويات تفوق 23 درهمًا، بينما لا تتجاوز أثمان البيع في عدة أقاليم ما بين 5 و6 دراهم فقط. وهو فارق تتحمله فعليًا ميزانية الدولة أو مؤسسات ومجموعات عمومية، عبر آليات دعم وتعويض غير مباشرة لا تنعكس في التسعيرة النهائية للماء.

وسجل المجلس أن التوسع في الاعتماد على الموارد المائية غير التقليدية يصطدم بإكراهات اقتصادية متزايدة، في مقدمتها الارتفاع المستمر لكلفة الطاقة، وتفاوت جودة المياه الخام، وتزايد كلفة المعالجة، إلى جانب تأثيرات التضخم والضغط الجبائي وارتفاع كلفة التمويل. واعتبر أن استمرار العمل بنفس النموذج الاقتصادي وآليات التسعير الحالية يضع محطات التحلية أمام مخاطر متوسطة المدى، قد تهدد توازنها المالي واستدامتها.

وبخصوص محطة تحلية مياه البحر بأكادير، التي تُعد من أبرز المشاريع الموجهة لتزويد السكان بالماء الصالح للشرب، كشف التقرير أن كلفة إنتاج المتر المكعب خلال سنة 2024 بلغت حوالي 10,29 دراهم، مسجلة ارتفاعًا يقارب 16 في المائة مقارنة بالكلفة المرجعية المعتمدة عند إطلاق المشروع. وأرجع التقرير هذا التطور إلى غياب بعض الإعفاءات الجبائية التي بُني عليها التصور الأولي، إضافة إلى تداعيات الأزمة الصحية العالمية وارتفاع أسعار المدخلات.

وفي هذا المشروع، كما هو الحال في مشاريع أخرى مماثلة، يتولى المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب تغطية الفارق بين سعر اقتناء الماء من الشريك الخاص وسعر إعادة بيعه للمستهلكين. وأشار المجلس إلى اعتماد الآلية نفسها بمحطتي آسفي والجديدة، حيث التزم المكتب الشريف للفوسفاط بتغطية عجز استغلال يناهز 1,02 درهم عن كل متر مكعب، لضمان استمرارية تزويد وحداته الصناعية وشبكات التوزيع المجاورة.

أما مشروع تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، الذي تعوّل عليه الحكومة لتعزيز الأمن المائي للعاصمة الاقتصادية ومحيطها، فقد حُددت له كلفة مرجعية في حدود 4,48 دراهم للمتر المكعب، وهي كلفة وصفها التقرير بالتنافسية مقارنة بعدد من المشاريع الوطنية الأخرى. غير أن المجلس نبّه إلى أن هذه التقديرات تبقى رهينة بمخاطر التضخم وتقلب أسعار الطاقة والتمويل، ما قد يؤثر على التوازن المالي للمشروع على المدى المتوسط.

وفي ما يتعلق بالمحطات التي يدبرها المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بشكل مباشر، أبرز التقرير وجود فوارق حادة بين كلفة الإنتاج والتوزيع من جهة، وسعر البيع من جهة أخرى. ففي مدينة العيون، بلغت الكلفة الإجمالية لإنتاج وتوزيع المتر المكعب سنة 2023 حوالي 23,41 درهمًا، في حين لم يتجاوز متوسط سعر البيع 5,06 دراهم. ووُضع مشابه سُجل بمدينة الحسيمة، حيث بلغ سعر التكلفة 16,66 درهمًا للمتر المكعب، مقابل سعر بيع في حدود 6,24 دراهم.

واعتبر المجلس أن هذه المعطيات تعكس حجم المجهود المالي الذي تتحمله الدولة والمؤسسات العمومية لضمان تزويد السكان بالماء المحلّى بأسعار اجتماعية، لكنها في المقابل تطرح إشكالية جوهرية تتعلق باستدامة هذا النموذج، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية السطحية والجوفية.

ومن خلال مقارنة التجربة المغربية بتجارب إقليمية ودولية، يتضح اختلاف واضح في نماذج التمويل والتسعير. ففي إسبانيا، التي تتوفر على مئات محطات التحلية، يُمرَّر جزء مهم من الكلفة إلى المستهلكين الصناعيين والفلاحيين، مع توجيه الدعم نحو الفئات الهشة. أما تونس، فتعتمد نظام تسعير تصاعدي أكثر صرامة بالنسبة للماء المحلّى، بهدف تقليص العبء عن الميزانية العامة وضمان قدر أكبر من الاستدامة المالية لهذا الخيار الاستراتيجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى