جخا: 19.8 مليون سائح حصيلة رهان رياضي ناجح.. يقابله خصاص تنموي في القرى (حوار)

أميمة حدري: صحافية متدربة 

في ظل التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدتها عدة مدن مغربية، وما تخللها من فيضانات وغرق شوارع وأحياء سكنية، يبرز التباين بين مستوى جاهزية البنية التحتية الحضرية والنجاح البارز الذي حققه المغرب في تجهيز الملاعب الرياضية لاستقبال تظاهرات قارية كبرى.

هذه التجهيزات، المزودة بأنظمة متطورة لتصريف مياه الأمطار، أثبتت فعاليتها حتى في أصعب الظروف المناخية، بينما ما تزال بعض المدن تعاني من هشاشة شبكات التصريف والبنية الأساسية.

في هذا الحوار مع رضوان جخا، الخبير في السياسات العمومية، نطرح عددا من الأسئلة المحورية حول ترتيب أولويات السياسات العمومية، ومدى تأثير الالتزامات الدولية والتظاهرات الكبرى على توزيع الاستثمارات، إضافة إلى إمكانيات إعادة توجيه السياسات نحو مقاربة استباقية ومستدامة، تضمن توحيد سرعة الإنجاز بين المشاريع الكبرى والبنية التحتية الأساسية، بما يحقق العدالة المجالية ويلبي حاجيات المواطنين اليومية.

هل تمثل جاهزية الملاعب مقابل هشاشة البنية التحتية مؤشرا على أولويات متباينة للسياسات العمومية؟

الرياضة والملاعب تعد من الأولويات، بل أكثر من ذلك، فهي مقاربة تنموية استراتيجية. وما تحقق من أرقام قياسية في السياحة، حيث بلغ عدد السياح 19.8 مليون زائر بفضل تنظيم كأس إفريقيا، الذي يعد نسخة استثنائية على المستوى القاري، يعكس هذا التوجه.

بموازاة ذلك، هناك مجهود تنموي كبير ينتظر بلادنا في مجال العدالة المجالية والبنية التحتية، خصوصًا في جهات درعة تافيلالت وبني ملال خنيفرة والشرق. نحن، أبناء تلك القرى والجبال، نفتخر بما تحقق من أوراش هيكلية، لكن في الوقت نفسه نأمل توطين مثل هذه المشاريع في ورزازات وتنغير وخنيفرة وزاكورة وغيرها.

وقد وضع الملك محمد السادس السياسة العامة للبلاد عبر خطابين ملكيين متتاليين، هما خطاب العرش وخطاب افتتاح البرلمان، مؤكدا أن تنمية المناطق الجبلية والواحية والقروية وهوامش المدن تظل أولوية قصوى لتحقيق سرعة تنموية موحدة.

وهذا ما أكدت عليه التساقطات المطرية والثلجية الأخيرة في مجموعة من المناطق، حيث تتطلب جهات الجنوب الشرقي مجهودا تنمويا كبيرا وبنية تحتية متطورة، على غرار نفق تيشكا والطرق السريعة، لضمان الربط المتكافئ مع المدن الكبرى.

إلى أي حد تخضع الاستثمارات العمومية لمنطق الاستجابة للالتزامات الظرفية على حساب الحاجيات اليومية للمواطنين؟

فعليا، نحن بحاجة إلى كفاءات على غرار تلك الموجودة في المجال الرياضي، وإلى نخب سياسية وإرادة حكومية تُخصص مستقبلا تمييزا إيجابيا للمناطق القروية الصاعدة وتنمية الجبل، سواء عبر سياسات عمومية بميزانيات كبيرة توازي حجم الخصاص الموجود بها، أو من خلال مبادرات تشريعية بالبرلمان، على غرار قانون الجبل، وهو أمر غريب جدًا أن يتأخر إلى حد الساعة.

فمثلا، استغرقت الدراسات المتعلقة بنفق تيشكا أكثر من عشر سنوات، في حين يتم تدشين أوراش هيكلية أخرى خلال سنة أو سنتين فقط. هذه المقاربة هي التي تجعل البعض يتساءل عن مدى تحقيق العدالة المجالية المندمجة.

وبالتالي، أرى أن البارومتر التنموي الحكومي خلال الولاية المقبلة يجب أن يضع مفاهيم التنمية المجالية والقروية والجبلية ضمن أولى الأولويات، مع تخصيص استثمارات ضخمة، خصوصًا المرتبطة بالبنية التحتية العصرية لربط الجنوب الشرقي بوسط البلاد.

كيف يمكن إعادة توجيه السياسات العمومية نحو مقاربة وقائية ومستدامة بدل التدبير الظرفي ورد الفعل؟

بالفعل، يجب الانتقال من مقاربة ردود الفعل الظرفية المتعلقة بالظروف الجوية إلى مقاربة استباقية واستشرافية، من خلال تنزيل سياسات عمومية مجالية تنطلق من خصوصيات كل منطقة وجهة. وأعتقد أن هذا النهج سيحقق نتائج ملموسة، خاصة مع الورش الملكي المتعلق بالجيل الجديد من برامج التأهيل الترابي المندمج.

أنا متفائل جدا، باعتباري من أبناء المناطق الجبلية بورزازات، لأن هذا الورش ملكي الطابع ويتضمن عناية خاصة عبر خطابين ملكيين، بالإضافة إلى توجيهات استراتيجية تهدف إلى وضع التنمية المجالية في صدارة الأولويات.

المرحلة الآن تعتمد على النخب السياسية المسؤولة عن تدبير الحكومة المقبلة والمجلس التشريعي، وكذلك الهيئات الجهوية، فالمرحلة السياسية القادمة حاسمة في سبيل مأسسة المغرب الصاعد الذي نطمح إليه جميعا. ومن وجهة نظري المتواضعة، أولى الأولويات هي تقارب هوامش المدن والمناطق الجبلية والواحية والقروية من سرعة التنمية التي تشهدها كبريات المدن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى