“جود” بعد أخنوش.. هل انتهت القفة بانتهاء الزعامة؟

جمال بلــــة
لعدة سنوات، لم يكن رمضان يمر دون أن تملأ القوافل الزرقاء شوارع القرى والمدن، محملة بقفف غذائية وكاميرات توثق اللحظة بعناية، مبادرة “جود” قدمت للرأي العام باعتبارها عملا إحسانيا خالصا، غير أن حضورها الكثيف، وتوقيته المتزامن مع محطات سياسية وانتخابية مفصلية، جعلا كثيرين يرون فيها أكثر من مجرد فعل تضامني.
في ذروة صعود عزيز أخنوش على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، كانت “جود” تتحرك بزخم لافت، بشبكة منظمة وانتشار واسع في المناطق الهشة تحديدا، حيث الحاجة الاجتماعية أكبر من الشعارات السياسية، القفة كانت تصل لكن الرسالة السياسية كانت تصل معها أيضا، وكان المشهد أقرب إلى هندسة نفوذ ناعمة، تلبس العمل الخيري ثوبا انتخابيًا غير معلن.
اليوم، تغير المشهد، اختفت القوافل فجأة، وخفت الصوت الذي كان يملأ الفضاءات الافتراضية بصور التضامن، رمضان يمر هذه السنة دون الألوان الزرقاء المعتادة، في مشهد يطرح سؤالا مباشرا، هل كان الإحسان مرتبطا بقناعة مؤسساتية مستدامة، أم أنه كان امتدادا لحسابات تموقع سياسي؟
التحولات التي عرفها الحزب، وإعادة توزيع مراكز القوة داخله، كشفت هشاشة المبادرة، فلو كانت “جود” مؤسسة مدنية مستقلة بالفعل، لما تأثرت بزوال دينامية قيادة بعينها ؟، ولو كان العمل الإنساني منفصلا عن الرهان الحزبي، لما انطفأ وهجه مع تغير موازين النفوذ ؟.
خصوم الحزب طالما اتهموا المبادرة بأنها أداة تأثير سياسي مغلفة بخطاب اجتماعي، الرد الرسمي كان دائما ينفي ذلك، لكن الغياب الحالي يعيد طرح الاتهام بقوة أكبر، فالمبادرات الإنسانية الحقيقية لا ترتبط بالأشخاص، ولا تتراجع بتغير المواقع، بل تستمد استمراريتها من مؤسساتية واضحة ورؤية طويلة النفس.
ما يحدث اليوم ليس مجرد توقف موسمي، بل مؤشر على تداخل عميق بين الإحسان والسياسة، حين ترتبط القفة الرمضانية بصورة زعيم، يصبح استمرارها رهينا باستمرار نفوذه، وحين تنسحب السياسة، يتبخر المشهد بسرعة لافتة.
قصة “جود” في رمضان الحالي تبدو كمرآة تعكس حدود العمل الخيري عندما يتحول إلى أداة ضمن هندسة النفوذ، إنها حكاية تمدد سريع على إيقاع السياسة، وانكماش أسرع عند تغير الإيقاع، وبين الضجيج الذي كان، والصمت الذي حل، يبقى السؤال معلقا، هل انتهى الإحسان، أم انتهى فقط زمن النفوذ الذي كان يغذيه؟





