“حجر فوق زفت” كيف انهار مشروع تهيئة شارع مراكش مع أول اختبار مطري؟

زوجال قاسم
كان من المفترض أن يشكّل مشروع تهيئة شارع مراكش بوجدة نموذجا لإعادة الاعتبار لأحد الشرايين التاريخية لقلب “مدينة الألفية”، وأن ينعش الحركة الاقتصادية ويعيد الثقة في مشاريع التأهيل الحضري.
غير أن أولى التساقطات المطرية كانت كافية لتحويل هذا “الرهان التنموي” إلى ما يصفه التجار اليوم بـ“الفضيحة البنيوية”، بعدما انهارت الأرضية الجديدة وظهرت عيوب خطيرة دفعة واحدة، في مشهد صادم فجّر موجة غضب واحتجاج غير مسبوقة.
أمطار محدودة… واختلالات فادحة
لم تنتظر اختلالات شارع مراكش تقارير خبراء أو لجان افتحاص مركزية كي تطفو على السطح، فمع أولى زخات المطر هذا الأسبوع، تحوّل التبليط الجديد (الحجر) إلى كتل بارزة، وبدأت الأرضية تنتفخ وتُقتلع، في مشاهد وثّقها التجار والساكنة، وطرحت أكثر من علامة استفهام حول احترام معايير الجودة وسلامة الإنجاز.
هذه الوقائع الميدانية كانت الشرارة التي دفعت عشرات التجار إلى إغلاق محلاتهم وشلّ الحركة التجارية، في وقفة احتجاجية صباح اليوم، عبّروا خلالها عن رفضهم لما اعتبروه عشوائية تقنية واستخفافًا بمصالحهم.
وفي هذا السياق، قال عبد الحميد عزيز، رئيس جمعية تجار شارع مراكش وساحة المغرب، بنبرة لا تخلو من الغضب:“تحمّلنا خمسة أشهر من الركود وتراجع النشاط التجاري بنسبة 80%، على أمل أن تكون النتيجة في مستوى يليق بالمدينة، لكن ما حصل كان كارثيًا.
واضاف عزيز أنه تم رصد أكثر من 12 نقطة سوداء تعاني من اختلالات عميقة في البنية التحتية، معتبرا أن ما يجري ليس خطأ تقنيا بسيطا، بل خلل بنيوي لا ينفع معه الترقيع”.
تصريح يختزل حجم الخيبة، ويضع المشروع برمته موضع مساءلة، كما يبرز التهميش الذي تشهده المدينة الحدودية، على جميع المستويات.
“حجر فوق زفت”: معطيات تقنية تفضح طريقة الإنجاز
الصدمة لم تتوقف عند المظهر الخارجي للأشغال، بل تعمّقت مع ما كشفه مصطفى ساتيام، أحد الوجوه التجارية المعروفة بغيرتها على المدينة، من تفاصيل تقنية اعتبرها جوهر الأزمة.
وأوضح ساتيام أن“الشارع كان معبّدًا بالزفت (الكودرون) لسنوات طويلة ولم يتضرر، لكن المقاولة الحالية وضعت الحجر مباشرة فوق الزفت، ثم غطته بالرمل، وانصرفت في حال سبيلها.
وحسب تعبير ساتيام، فمن الطبيعي أن يقتلع الماء هذا الحجر في ظرف شهرين، منسائلا في الوقت ذاته، أين كانت لجان التتبع؟ ومن سمح بهذا العبث التقني في مشروع مموّل من ميزانية عمومية ضخمة؟”.
هذا المعطى التقني يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة حول دور مكاتب الدراسات، ولجان المراقبة، وحدود المسؤولية في تمرير أشغال بهذه الطريقة، وليس روت مراكش وحده من شهد صفقات من تحت الدف في عاصمة الشرق.
خسائر اقتصادية صامتة وتعامل “قمعي” مع المحتجين
بعيدا عن اللغة التقنية، يعيش تجار شارع مراكش واقعا اقتصاديا خانقا، فإغلاق المحلات خلال الوقفة الاحتجاجية لم يكن خطوة رمزية فقط، بل تعبيرا عن وضعية وصفها المعنيون بـ“النكبة الاقتصادية”، في ظل تراكم الإيجارات، وأجور العمال، والضرائب، مقابل شبه شلل للحركة التجارية منذ انطلاق الأشغال.
وزاد من تأجيج الغضب، ما وصفه رئيس الجمعية بـ“التعامل القمعي” لبعض أعضاء اللجنة التقنية، الذين حاولوا – بحسب المحتجين – إسكات أصوات التجار بدل الإنصات لملاحظاتهم الميدانية، وهو ما اعتُبر إهانة مباشرة لحوالي 150 محلا تجاريا يمثّلها الشارع.
مطالب واضحة: افتحوا “الصندوق الأسود”
وأمام ما يعتبره المحتجون فشلا تدبيريا واضحا في تنزيل مشروع تهيئة شارع مراكش، أكد التجار أن مرحلة الوعود قد استنفدت، وأن مطالبهم باتت مستعجلة وغير قابلة لأي تأجيل.
وفي هذا الصدد، شدد المحتجون على ضرورة فتح تحقيق رسمي وفوري لتحديد المسؤوليات، سواء لدى المقاولة نائلة الصفقة، أو مكاتب الدراسات المشرفة، أو لجان المراقبة التابعة لكل من الجماعة الترابية والولاية.
وفي السياق ذاته، عبّر التجار عن مطلبهم بتدخل مباشر لوالي الجهة، من خلال حضوره الشخصي إلى عين المكان لمعاينة ما وصفوه بالوضع “الكارثي” الذي آل إليه الشارع، بعيدا عن التقارير المكتبية التي يعتبرونها “مجملة” ولا تعكس حقيقة الاختلالات المسجلة ميدانيا.
كما جدد المحتجون رفضهم القاطع لما أسموه بسياسة الترقيع، مؤكدين تشبثهم بإعادة إنجاز الأشغال وفق المعايير التقنية المعتمدة، والتنبيه إلى أن أي حلول مؤقتة لن تكون سوى محاولة لاحتواء الغضب، بدل معالجة أصل الخلل الذي رافق المشروع منذ بدايته.
اختبار حقيقي للمحاسبة
تحوّلت قضية شارع مراكش من ورش تأهيلي عادي إلى ملف ثقيل يختبر جدية ربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الشأن المحلي بوجدة.
فإما أن تتحرك الجهات المعنية لحماية المال العام، ورد الاعتبار لتجار ومدينة بأكملها، أو سيظل “الحجر المقتلع” دليل إدانة صامت على مشروع أُنجز خارج أبسط شروط السلامة التقنية.
في انتظار ذلك، تبقى الكرة في ملعب السلطات وهيئات الرقابة، بينما يواصل التجار تمركزهم في خندق الغضب والاستياء، دفاعا عن كرامة مهنية يقولون إنها دُهست تحت ركام الإهمال وسوء التدبير.










