حرية المعتقد وتجريم المجاهرة بالإفطار: أي علاقة؟

بقلم عادل عوين
مع دخول شهر رمضان من كل سنة، يعود إلى السطح نفس الجدل حول “الإفطار العلني”، وتستحضر مرة أخرى ورقة “حرية المعتقد” كحجة جاهزة للمطالبة بإسقاط النص القانوني الذي يجرم المجاهرة بالإفطار في الأماكن العامة. هذا الخلط المتعمد أحيانا، أو الناتج عن سوء فهم أحيانا أخرى، يحتاج إلى تفكيك قانوني ومنطقي دقيق، بعيدا عن العاطفة والشعارات.
الأهم هنا تفكيك المغالطة الكبرى، والتمييز بوضوح بين “المعتقد” و”السلوك العمومي”. حرية المعتقد، كما تكرسها المواثيق الدولية ودستور المملكة، هي حرية داخلية مصونة بين العبد وربه، ولا يملك أحد حق التشريع فيها أو التجسس عليها. الدولة لا تعاقب على ما في القلوب، ولا تسأل الإنسان عن نيته في الصيام من عدمه، فالضمير حر ولا سلطان لأحد عليه.
والحقيقة القانونية تكمن في فهم مضمون *الفصل 222 من القانون الجنائي*، الذي كثيرا ما يساء تفسيره. هذا النص لا يعاقب على “عدم الإيمان” أو “عدم الصيام”، بل يعاقب على “المجاهرة” بالفطر في الشارع العام أو مكان عام، خلال نهار رمضان. الفرق جوهري؛ فالقانون هنا يحمي “النظام العام” و”السلم المجتمعي”، ولا يتدخل في الضمائر. المجاهرة بالإفطار في مجتمع يعتبر رمضان مقدسا له طابع استفزازي يمس السلم الأهلي، وهذا ما يبرر تدخل المشرع لتنظيم السلوك العمومي، وليس لتقييد الحريات الداخلية.
ربط حرية المعتقد بإلغاء تجريم المجاهرة بالإفطار هو مغالطة منطقية كبرى. لو كان الأمر يتعلق بحرية المعتقد حقا، لكان الحديث عن حق الشخص في عدم الصيام في بيته أو في أماكن خاصة دون أن يراه أحد، وهذا مكفول ولا يسأل عنه أحد. لكن حين يتحول الأمر إلى فعل علني، فإننا نخرج من نطاق “الحرية الشخصية” إلى نطاق “اداب الفضاء العام”. لا توجد حرية مطلقة في الفضاء العام تنتهك ثوابت الأغلبية وتخل بالنظام العام تحت ذريعة المعتقد.
في المغرب، حيث الإسلام دين الدولة، وحماية الشعائر الدينية جزء من الهوية الدستورية، فإن الحفاظ على قدسية رمضان في الفضاء العام ليس تقييدا للحرية، بل هو حماية للنسيج الاجتماعي. المطالبة بإلغاء التجريم بحجة حرية المعتقد هي محاولة لتمرير أجندة تتجاوز الحق الفردي إلى التفكيك الرمزي للهوية المجتمعية.
إن حرية المعتقد خط أحمر مصان، لكنها لا تمنح حقا في انتهاك قوانين النظام العام تحت غطاءها. الصيام في رمضان في المغرب ليس مجرد عبادة فردية، بل هو عقد اجتماعي وعلامة هوية، والمجاهرة بكسر هذا العقد علنا ليست ممارسة لحرية المعتقد، بل هي خروج على قواعد التعايش التي يرضاها المجتمع ويحميها القانون، وللأسف نرى وقفات إحتجاجية في بلدان عربية كتونس مثلا حيث وصل تمييع المطالب بالحرية الفردية لحدود تتجاوز حتى ماهو معمول به في بعض الدول الأجنبية.





