“حزب المخدرات”.. عندما يُستعمل إرث القيادات السابقة لتصفية حسابات الحاضر

حسين العياشي
في خضم محاولات متكررة لإلصاق صورة نمطية بحزب الأصالة والمعاصرة، تختزله في توصيف سطحي ومجحف من قبيل “حزب المخدرات”، يفرض السياق السياسي والوقائع الملموسة التوقف عند الخلفيات الحقيقية التي غذّت هذا الخطاب، والتمييز بوضوح بين ما هو إرث مرحلة سابقة، وما هو مسار تصحيحي اختاره الحزب اليوم بوعي وإرادة سياسية.
فهذا الوصف لم ينبت من فراغ، ولا يمكن إنكاره أو القفز عليه، لكنه في الآن ذاته لا يعكس جوهر الحزب ولا مشروعه ولا اختياراته الحالية. لقد ارتبط، في جزء منه، بمرحلة سياسية سابقة قادتها أسماء بعينها، فشلت في بلورة مشروع مجتمعي قادر على منافسة التيار الإسلامي الذي كان آنذاك في أوج تمدده وهيمنته. وبدل الرهان على السياسة بمعناها النبيل، وعلى التنظيم والفكرة والبرنامج، جرى السقوط في منطق براغماتي فجّ، قوامه الاستقواء بالمال والنفوذ، وفتح الأبواب أمام شبكات مصالح وتجارات مشبوهة، تحت ذريعة أن “الغاية تبرر الوسيلة”.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر “إعلام تيفي” أن تلك المرحلة لم تنتهِ فقط بخسارة الحزب معركته الانتخابية، بل ألحقت به خسارة أخطر تمثلت في ضرب صورته وسمعته، وهو ما سرّع بسقوط تلك القيادات التي فشلت مرتين: مرة في صناديق الاقتراع، ومرة في الحفاظ على الرأسمال الرمزي والأخلاقي للحزب.
هذا التشخيص، تضيف المصادر نفسها، لم يكن حكراً على خصوم الحزب أو منتقديه من الخارج، بل عبّرت عنه قيادات من داخل الحزب في لحظات مفصلية. ويستحضر في هذا السياق ما جاء في الرسالة التي بعث بها حكيم بنشماش، الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، من الإكوادور، والتي تحدث فيها بوضوح عن “محاولات اختطاف الحزب” من طرف ما سماهم بـ”مليارديرات فاسدين”، يسعون إلى التحكم في التزكيات والصفقات وتحويل الحزب إلى أداة لخدمة المصالح الخاصة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن رسالة بنشماش شكّلت آنذاك لحظة مكاشفة سياسية نادرة، كشفت عمق الاختلالات التنظيمية التي عاشها الحزب، وحجم تغوّل منطق الشبكات داخل هياكله، في ظل تضخم الهاجس الانتخابي وتراجع الوظيفة التأطيرية والأخلاقية للعمل الحزبي. وهي الرسالة التي دعت مناضلي الحزب إلى العودة من أجل إعادة البناء ووضع حد لتلك الانحرافات.
الاستهداف بات مكشوفًا، فيكفي وضع مقارنة بسيطة مع أحزاب أخرى خاصة ضمن التحالف الحكومي لتنكشف ازدواجية المعايير، فمنها من تضم بدورها منتخبين يواجهون ملفات قضائية مرتبطة بالاتجار في المخدرات، لكن هذه الحالات لا تلقى نفس الصدى الإعلامي أو الشعبي، ولا تُستغل بنفس الكثافة لتشويه صورة التنظيم بأكمله، ما يعكس توظيفاً سياسياً متعمداً لبعض الملفات ضد حزب “البام”.
وفي المقابل، تشدد المصادر المطلعة على أن تحميل الحزب، في صيغته الحالية، مسؤولية تلك المرحلة، يُعد خلطاً متعمداً بين الماضي والحاضر. فالحزب، مع القيادة الثلاثية الحالية، اختار مساراً مغايراً قوامه القطيعة مع منطق المال المشبوه، وعدم التردد في إبعاد كل من تحوم حوله شبهات فساد أو ارتباط بعالم المخدرات، مهما كانت مكانته أو وزنه الانتخابي، في خطوة وُصفت داخل الحزب بـ”الشجاعة والمؤلمة”، لكنها ضرورية لاستعادة الثقة.
وتضيف المصادر أن استحضار أخطاء مرحلة سابقة وتحويلها إلى وصمة دائمة، لا يخدم سوى منطق التشهير والتعميم، ويُستعمل سياسياً لتصفية الحسابات، بدل فتح نقاش جاد حول البرامج والاختيارات السياسية. كما تؤكد أن الملفات المعروضة اليوم على القضاء ينبغي أن تُقرأ في إطارها القانوني، بعيداً عن محاولات التوظيف السياسي أو إلصاق التهم الجماعية بتنظيم بأكمله.
وختمت المصادر بالتأكيد على أن حزب الأصالة والمعاصرة يوجد اليوم أمام معركة استعادة المعنى الحقيقي للفعل السياسي، عبر الانتصار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكريس فكرة أن الحزب ليس ملاذاً لأحد، ولا غطاءً لأي تجاوز. فالنقد المشروع، تضيف المصادر، يجب أن ينصب على الأداء والبرامج، لا على إعادة إنتاج صورة نمطية وُلدت في زمن مضى، وسقطت بسقوط من صنعوها.





