حقوقيات: غياب الإحصائيات المصنفة حسب الجنس يضعف قياس العدالة الاجتماعية

حسين العياشي

أعادت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب طرح سؤال العدالة الاجتماعية من زاوية دقيقة، بعدما نبهت إلى أن غياب المعطيات المفصلة حسب الجنس في التقرير السنوي الأخير للمجلس الأعلى للحسابات يحول دون قياس الأثر الحقيقي للسياسات الاجتماعية على النساء، ويجعل تقييم فعاليتها محكوماً بمقاربة عامة لا تكشف الفوارق البنيوية القائمة.

هذا التنبيه جاء في رسالة مفتوحة وجهتها الجمعية إلى الرئيسة الأولى للمجلس الأعلى للحسابات، زينب العدوي، دعت فيها إلى إدماج مقاربة النوع بشكل منهجي في تقارير الرقابة والتقييم، واعتماد مؤشرات وإحصائيات مصنفة حسب الجنس، بما يسمح بقياس مستويات الإنصاف والنجاعة في السياسات العمومية، ورصد أثرها المختلف، وأحياناً غير المتكافئ، على النساء، خاصة اللواتي يعشن أوضاعاً هشة.

وأوضحت الجمعية أنها تابعت باهتمام مضامين التقرير السنوي للفترة 2024-2025، ولا سيما ما يتعلق بتتبع أوراش إصلاح كبرى في المجالات الاجتماعية والمالية والطاقية، مشيدة بالتشخيص الدقيق لاختلالات الحكامة وضعف التنسيق بين المتدخلين، خصوصاً في ورش الحماية الاجتماعية. غير أن القراءة من منظور حقوق النساء، وفق ما ورد في الرسالة، تكشف أن المعطيات الواردة ظلت عامة ومجمعة، دون تفكيكها بحسب الجنس، وهو ما يجعل اعتماد الأسرة كوحدة تحليل مركزية يخفي التفاوتات داخلها، ويطمس الفوارق الفعلية بين النساء والرجال في الولوج إلى أنظمة الحماية الاجتماعية وبرامج الدعم الصحي.

وترى الجمعية أن الأمر لا يتعلق بنقص تقني بسيط، بل بخيار منهجي غير محايد، لأن غياب الإحصائيات المصنفة وفق النوع الاجتماعي يحول دون رصد أشكال التمييز غير المباشر التي قد تطال النساء، ويضعف قدرة التقرير على تقييم مدى عدالة السياسات العمومية وفعاليتها وإسهامها في تحقيق المساواة الفعلية. كما اعتبرت أن هذا الوضع يتعارض مع مقتضيات الفصل 19 من الدستور، الذي يكرس مبدأ المساواة بين النساء والرجال ويلزم الدولة بإدماج مقاربة النوع في السياسات العمومية وآليات تقييمها.

وفي قراءتها لمضامين التقرير، توقفت الجمعية عند محاولات توضيح بعض البرامج الاجتماعية الموجهة للفئات الهشة، مثل دعم الأرامل الحاضنات للأطفال، ومنحة الولادة، وبرامج دعم التمدرس، وآليات مساندة الأيتام والأطفال المتخلى عنهم. لكنها سجلت غياب أي معطيات دقيقة تبين مدى استفادة النساء داخل مختلف الفئات الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بالنساء المعيلات لأسرهن، أو العاملات المنزليات، أو الأمهات العازبات، أو النساء في وضعية إعاقة، أو اللواتي يعشن في الهشاشة والفقر.

وتكتسي هذه الفجوة، بحسب الجمعية، أهمية خاصة في سياق وطني يتسم بتزايد هشاشة النساء، ولا سيما العاملات في القطاع غير المهيكل، والعاملات المنزليات، وربات الأسر، وهي فئات تبقى أكثر عرضة للإقصاء من أنظمة الحماية الاجتماعية ومن برامج الدعم العمومي.

كما لاحظت الجمعية أن التقرير، رغم تحليله لمؤشرات التغطية الصحية وبرامج الدعم الاجتماعي، لا يقدم أي بيانات مفصلة حسب الجنس تسمح بقياس حجم الإقصاء أو تقييم الأثر الفعلي للسياسات المعتمدة في تقليص الفوارق القائمة على النوع الاجتماعي. واعتبرت أن غياب هذا البعد يحد من القوة الإصلاحية للتقرير، ويضعف دور المؤسسة في توجيه السياسات العمومية نحو مزيد من الإنصاف والعدالة الاجتماعية، خاصة بالنظر إلى اختصاصها الدستوري في تقييم السياسات العمومية ورصد اختلالاتها.

وانتهت الجمعية إلى جملة من التوصيات، في مقدمتها إدماج مقاربة النوع بشكل منهجي في إعداد تقارير تقييم السياسات الاجتماعية، واعتماد مؤشرات ومعطيات مصنفة حسب الجنس باعتبارها شرطاً أساسياً لتقييم الإنصاف والفعالية. كما دعت إلى التنصيص الصريح داخل التقارير على غياب المعطيات المرتبطة بالنوع الاجتماعي عندما لا تكون متوفرة، واعتبار ذلك اختلالاً مؤسساتياً في منظومة التتبع والتقييم، مع ضرورة إبراز الأثر المتباين للسياسات الاجتماعية على النساء، خصوصاً في أوضاع الهشاشة.

وأكدت الجمعية في ختام رسالتها أن تفعيل هذه المقتضيات لا يدخل في باب المطالب الفئوية، بل يندرج ضمن التزام دستوري صريح، ويمثل رافعة أساسية لتعزيز مصداقية تقارير الرقابة وضمان اتساقها مع مبادئ المساواة والإنصاف التي يقرها الدستور، بما يجعل تقييم السياسات العمومية أداة حقيقية لإحداث أثر اجتماعي عادل ومتوازن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى