حين تختبر الأزمات الدول.. المغرب يختار طريق الصمود والإنجاز

حسين العياشي

لم تكن أمطار الأيام الأخيرة مجرد تساقطات موسمية عابرة، بل تحوّلت إلى اختبار ميداني حقيقي لقدرة البلاد على تدبير الأزمات المناخية المفاجئة. فمنذ أواخر يناير، شهدت عدة أقاليم في الشمال والغرب تساقطات مطرية غير معتادة من حيث الغزارة والاستمرارية، دفعت الأودية إلى الارتفاع السريع، ورفعت منسوب الخطر الهيدرولوجي إلى مستويات غير مسبوقة، مع تسجيل أضرار متفاوتة في البنية التحتية والمساكن والأراضي الفلاحية، وانقطاع عدد من الطرق الحيوية.

أمام هذا الوضع، اعتمدت السلطات مقاربة استباقية صارمة قوامها تقليص المخاطر قبل وقوعها، عبر إخلاء المناطق الأكثر عرضة للفيضانات وتسريع عمليات نقل السكان إلى مناطق آمنة، حتى وإن استدعى الأمر تفريغ أحياء كاملة بشكل مؤقت، خاصة بالمناطق المحاذية لحوض اللوكوس. وقد عكست أرقام الإجلاء حجم التعبئة العمومية؛ إذ جرى نقل ما يفوق 154 ألف شخص في إطار تدابير احترازية، تركزت أساسًا في العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان، في مؤشر واضح على أن خطر الفيضانات لم يعد احتمالًا نظريًا، بل واقعًا ميدانيًا يتطلب تدخلًا عاجلًا ومنسقًا.

في قلب هذه التطورات برزت مدينة القصر الكبير باعتبارها إحدى النقاط الأكثر حساسية، بعدما اضطرت أعداد كبيرة من سكان الأحياء المهددة إلى مغادرتها، ما جعل المدينة تبدو شبه خالية في ذروة عمليات الإجلاء. كما شملت التحذيرات مناطق أخرى من إقليم العرائش، من بينها سوكن وأولاد أوشيح والمنطقة الصناعية ومحيط مصب اللوكوس، مع دعوات رسمية متكررة إلى الالتزام الصارم بتعليمات السلامة الميدانية.

تدبير الأزمة لم يكن معزولًا أو أحادي الجهة، بل اعتمد على تنسيق متعدد المستويات بين السلطات الترابية ومصالح اليقظة المحلية وأجهزة الإغاثة، بدعم من إمكانات لوجستية وعسكرية، مع إحداث مراكز إيواء وتجهيز فضاءات استقبال للنازحين وفق تطور التوقعات المناخية. وعلى الأرض، نُفذت عمليات إجلاء معقدة في بعض المناطق التي صارت صعبة الولوج، فيما استُخدمت المروحيات للوصول إلى المناطق المعزولة ودعم جهود الإنقاذ، خصوصًا في محيط العرائش والقصر الكبير.

الحكومة، من جهتها، أكدت متابعتها الدقيقة لتطور الوضع، مشددة على تعبئة مختلف الموارد البشرية واللوجستية لضمان سلامة المواطنين في ظل هذه الظروف الاستثنائية. غير أن الطابع الوقائي للتدخل لم يحجب قسوة بعض المشاهد، بعدما جرفت السيول سيارة في إقليم تطوان، مخلفة خسائر بشرية مؤلمة، في حادث أعاد إلى الواجهة خطورة المجازفة بعبور المسالك الثانوية أثناء فترات الإنذار.

أما على مستوى البنيات التحتية، فقد ظهرت آثار التساقطات بوضوح مع إغلاق مقاطع طرقية عدة بسبب ارتفاع منسوب الأودية والانجرافات والانهيارات الأرضية، من مناطق الريف إلى مرتفعات الأطلس مرورًا بسهول الغرب. وبموازاة التحرك الرسمي، برزت أيضًا مظاهر تضامن مدني لدعم المتضررين، في مشهد يعكس تداخل الاستجابة المؤسساتية والمجتمعية في مواجهة الكوارث.

ومع تراجع حدة التساقطات تدريجيًا، يطفو سؤال ما بعد الأزمة على السطح: كيف سيتم تأمين عودة السكان إلى منازلهم؟ وما هي التدابير المنتظرة لإعادة تأهيل المناطق المتضررة وتعويض الأسر؟ النقاش عاد بقوة حول تفعيل آليات تعويض ضحايا الكوارث الطبيعية، في وقت تؤكد فيه الجهات الحكومية أن الحلول قيد الدراسة بتنسيق بين القطاعات المعنية، مع التشديد على أن حماية الأرواح ستظل دائمًا الأولوية التي تُبنى عليها كل القرارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى