حين تشتد الأزمات يتوحد المغاربة

فاطمة الزهراء ايت ناصر
في كل مرة تختبر فيها الكوارث الطبيعية صلابة المجتمع المغربي، يخرج المغاربة من المحنة أكثر تماسكا، متشبثين بقيم التضامن والتآزر التي شكلت عبر التاريخ صمام أمان هذا الوطن.
من جائحة كورونا وزلزال الحوز، إلى فيضانات آسفي، وصولا إلى ما تعيشه مدينة القصر الكبير اليوم على وقع فيضانات وادي اللوكوس، يتكرس مشهد واحد، ألا وهو مغرب يقف أبناؤه كتفا إلى كتف في زمن الشدة.
منذ بداية الفيضانات، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لقطات إنسانية مؤثرة، لرجال الوقاية المدنية الذين يتواجدون في الصفوف الأمامية، يتعاملون مع الساكنة بحس عال من الإنسانية، يرافقون المواطنين خلال الإجلاء، ويقدمون الدعم النفسي والمعنوي، خصوصا للمسنين الذين تسيطر عليهم حالة من الهلع.

لم تقتصر مساهماتهم على إنقاذ الأرواح فحسب، بل شملت الاحتضان، العناق، وحتى القبل على الرأس من أجل تهدئة القلوب ومنح الشعور بالأمان.

إلى جانب المجهود الرسمي، يبرز الدور الحيوي للمواطنين، شباب متطوعون، جمعيات، فاعلون مدنيون، وأسر فتحت بيوتها قبل قلوبها للنازحين.
وفور إعلان حالة التأهب، خرج أصحاب الشاحنات والجرارات في صفوف إلى قلب مدينة القصر الكبير، لحمل الساكنة إلى بر الأمان.

وفي مشاهد إنسانية مؤثرة، تداولت وسائل التواصل فيديوهات وصور لشباب قدموا من مدن أخرى لمساندة السكان، مزودين بالدرجات المائية أو ما يسمى بجيتسكي لتقديم المساعدة في ظل الفيضانات، واستعمل بعض الشباب زورق الكاياك لاجتياز الدروب الضيقة والوصول إلى السكان المحاصرين داخل منازلهم، لتقديم الدعم وتوصيل الإمدادات الضرورية.

ولا يقتصر التماسك المغربي على الرجال أو المنظمات، بل تلعب النساء دورا محوريا في دعم المجتمع أثناء الأزمات، يعدن الرغايف والخبز لتأمين الطعام للمتضررين، ويساهمن بذلك في تخفيف المعاناة اليومية.


تعود بنا الذاكرة الى الساعات الاولى بعد وقوع زلزال الحوز في 2023، تحرك المواطنون، الجمعيات، والمغاربة المقيمين بالخارج لتقديم الدعم العاجل للمتضررين، من مساعدات غذائية وطرود طبية إلى خيام ومأوى مؤقت.
كذلك، شهدت المستشفيات حملة تبرعات بالدم لتغطية الاحتياجات الطبية، فيما ساهمت مبادرات فردية وجماعية في نقل المساعدات بسرعة إلى المناطق المنكوبة.
وأبانت جائحة كوفيد‑19 عن حس المسؤولية الجماعية لدى المغاربة، إذ التزموا بالإجراءات الوقائية ليس فقط لحماية أنفسهم، بل لحماية المجتمع بأسره، فيما تضاعفت المبادرات التطوعية لتقديم الدعم للفئات الهشة والمتضررة، مظهرة بذلك روح التضامن التي تتجاوز حدود الفرد لتصبح مسؤولية جماعية.
وكما قال الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله: «لا يمكن لأي قوة أن تزعزع شعبا متشبثا بملكه»، وهي مقولة تستعيد معناها اليوم في مشاهد التضامن التي جسدها المغاربة، حيث تتوحد القلوب قبل الأيادي في مواجهة المحن.

ففي لحظات الخطر، يسقط كل اختلاف، ويعلو صوت واحد، الا وهو صوت الجماعة، هكذا يُظهر المجتمع المغربي معدنه الحقيقي كلما داهمته الأزمات.
لا يسأل الناس عن الانتماء ولا عن المسافة، بل عن الحاجة فقط، تتشابك الأيادي، ويتحول المواطن إلى مسعف، والسائق إلى منقذ، والجار إلى سند.

تماسك لا تصنعه القوانين ولا تفرضه الظروف، بل تنسجه ذاكرة مشتركة وإحساس عميق بأن النجاة فردية مستحيلة، وأن الخلاص لا يكون إلا جماعيا.
في الشدائد، لا يقف المغاربة متفرجين، بل يصنعون الأمل بأفعالهم، ويثبتون أن قوة هذا الوطن ليست فيما يملك، بل في تماسك أبنائه حين تختبر القلوب قبل الأرض.





