ردّي على “ملائكة” البرلمان: متى تحولت الأرقام الرسمية إلى اتهامات؟

حسين العياشي

لم أكن أعلم أن السياسة المغربية دخلت، فجأة، مرحلة الملائكة المعصومين. بعد حلقة “الرقابة الشعبية” حول حصيلة نواب دوائر الشمال، والتي توقّفنا فيها عند أرقام رسمية منشورة في الموقع الإلكتروني لمجلس النواب، خرجت مفتشية حزب الاستقلال بالفحص أنجرة بتوضيح للرأي العام، ليس للدفاع عن حصيلة برلمانية لا تتجوز الحد الأدنى من المساءلة، بل للاعتراض على مجرّد كشف الأرقام الرسمية. ويبدو أن المشكلة، في نظر بعض التنظيمات الحزبية، ليست في ضعف الأداء، بل في جرأة من يضع مرآة الحقيقة أمامه.

نحن لم نقدّم اتهامات، ولم نخُض في الحياة الخاصة، ولم نستعمل لغة التشهير التي يتقنها “المسترزقون”، بل التزمنا بما هو مؤسساتي صرف: أرقام الأسئلة الشفوية، كلفة التمثيلية، وأدوار محددة بالدستور. فإذا كان عرض هذه المعطيات يدخل في خانة “توجيه الاتهام”، فإما أن علينا إعادة قراءة الدستور، أو أن بعض الفاعلين السياسيين اعتادوا نمطًا آخر من النقد، ذاك الذي يهاجم الأشخاص دون وثائق، لا ذاك الذي يواجه الأداء بالأرقام.

التوضيح بدأ بالقول إن النائب البرلماني إدريس ساور المنصوري قدّم 13 سؤالًا شفويًا. جميل؛ لكن مراجعة بسيطة للموقع الرسمي للمجلس تكشف أن أحد هذه الأسئلة مكرر تقنيًا برقمين ترتيبيين مختلفين، بينما المضمون واحد. أي أن الحصيلة الفعلية هي 12 سؤالًا، لا أكثر.

وهنا نطرح سؤالًا بسيطًا، هل نحن أمام سهو إداري عابر؟ أم أمام محاولة لتضخيم رقم متواضع أصلًا؟ في الحالتين، الدفاع عن رقم غير دقيق لا يخدم صورة النائب ولا حزبه.. وهنا خانكم التوفيق للأسف.

ثم انتقل التوضيح إلى زاوية أخرى أكثر دفئًا عاطفيًا، الحديث على تعويضات النائب التي تُصرف في أوجه خيرية، وعلى رأسها دعم دار للمسنين. مبادرة إنسانية تُحترم إن صحّت، ولا أحد يملك الحق في الطعن فيها. لكن ما علاقة ذلك بالموضوع؟ نحن لا نناقش أخلاق الأفراد، بل أداءهم الدستوري. نحن لا نحاسب على النوايا، بل على الوظيفة التي صوّت الناس من أجلها، والتي تُموَّل من المال العام مقابل مهام محددة: تشريع، مراقبة، وتقييم السياسات.

وفي هذا السياق، دعونا نكون واضحين: التشريع اليوم شبه محتكر من طرف الحكومة (الأمانة العامة)، ومقترحات القوانين التي يتقدّم بها النواب غالبًا ما تُركَن في رفوف البرلمان حتى تفقد صلاحيتها السياسية. فكم مقترح قانون قدّمه نائب فحص أنجرة؟ وهل شقّ أيٌّ منها طريقه إلى الجريدة الرسمية؟ أما التقييم، فهو مفهوم يبدو أنه ما زال غريبًا عن الممارسة البرلمانية، رغم أنه منصوص عليه دستورًا. يبقى إذن مجال واحد لا يمكن للحكومة أن تُصادره بالكامل: المساءلة، وبالخصوص المساءلة الشفوية.

الأسئلة الشفوية ليست إجراءً شكليًا، بل لحظة سياسية يتحمّل فيها النائب مسؤوليته أمام دائرته، وينقل مطالبها إلى قلب المؤسسة التشريعية، ويُحرج الحكومة إن اقتضى الأمر. وهي أيضًا المجال الوحيد الذي لا يمكن تفويضه للمساعدين أو للفرق النيابية، بل يتطلب حضور النائب وصوته وموقفه. وحين تكون الحصيلة 12 سؤالًا في أربع سنوات، أغلبها تطرح عن قطاع النقل الدولي.. فنحن لا نتحدث عن اجتهاد محدود، بل عن حضور رمزي بالكاد يتجاوز توقيع لائحة الحضور ورفع اليد للتصويت إن صادف حضوره إحدى الجلسات التشريعية.

أما القول إن النائب “نشِط محليًا” وإن تعويضاته الجماعية أيضًا تُصرف في أوجه خيرية، فذلك نقاش آخر تمامًا؛ رئاسة الجماعة وظيفة، والعضوية البرلمانية وظيفة أخرى، ولكل منهما منطقها ومهامها ومساءلتها الخاصة. الخلط بين المستويين لا يُبرّر ضعف الأداء تحت القبة، ولا يُحوّل التقصير في البرلمان إلى فضيلة ميدانية. ثم منذ متى كانت السياسة تقوم على فكرة “الملائكة المتطوعين”؟ منذ متى كان المطلوب من المواطن أن يكتفي بالصور، والتصريحات، والنوايا الحسنة، ويغضّ الطرف عن جوهر التمثيل الدستوري؟

في سلسلتي “الحصيلة” و”الرقابة الشعبية” لا نفتّش في الملفات السرية، ولا نبحث عن الفضائح، ولا نمارس محاكمات أخلاقية. نحن نكتفي بما هو متاح للجميع، أرقام، وثائق، ومسؤوليات دستورية. وإذا كان هذا النوع من الرقابة يزعج بعض التنظيمات الحزبية، فربما الإشكال ليس في من يطرح الأسئلة، بل في من تعوّد ألا يُسأل.

السياسة، للأسف، لا تُدار بالنيّات الطيبة وحدها، ولا تُقاس بعدد الصور في الأنشطة المحلية، ولا بعدد البيانات الحزبية الغاضبة. السياسة تُقاس بالأثر، وبالحضور، وبالقدرة على تمثيل المواطنين حيث يُفترض أن يُمثَّلوا: داخل البرلمان، لا خارجه. أما ما دون ذلك، فيبقى، مهما كانت النوايا حسنة، خارج جوهر المحاسبة.

وفي انتظار أن تتحوّل ثقافة التوضيحات إلى ثقافة الأرقام، ستبقى “الحصيلة” مستمرة، بالأسماء، وبالوثائق، وبالمال العام الذي يستحق أن يُسأل: أين يذهب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى