شدّ وجذب داخل مجلس مكناس يكشف اختلالات تدبير قطاع الإنارة

حسين العياشي

تحوّلت أشغال الجلسة الثانية من دورة فبراير لمجلس جماعة مكناس، إلى فضاء مشحون بالتوتر وتبادل الاتهامات، عكس بوضوح حجم التصدعات داخل المشهد السياسي المحلي، سواء بين الرئيس ومكونات المعارضة، أو داخل صفوف الأغلبية نفسها التي بدت منقسمة على وقع تباينات عميقة في تدبير عدد من الملفات الحيوية.

وسط هذا المناخ المتوتر، برز ملف الإنارة العمومية باعتباره العنوان الأبرز للنقاش، لما له من انعكاس مباشر على الحياة اليومية لساكنة المدينة، حيث تبادل رئيس جماعة مكناس، عباس لومغاري، ورئيس مجموعة الجماعات الترابية فاس–مكناس للتوزيع، محمد البوكيلي، اتهامات متبادلة كشفت، في عمقها، عن خلفيات تعثر صيانة الشبكة وتدهور خدماتها بعدد من الأحياء.

لومغاري وجّه اتهاماً صريحاً إلى البوكيلي، المحسوب على المعارضة، بالوقوف وراء توقف الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس عن مواصلة دعم فرق الجماعة في أشغال صيانة الإنارة العمومية، عقب انتهاء العمل بالاتفاقية التي كانت تربط الطرفين مع متم سنة 2025. واعتبر أن الشركة درجت، خلال المراحل الانتقالية السابقة، على الاستمرار في تقديم خدماتها إلى حين المصادقة على اتفاقية جديدة أو تمديد سابقتها، وهو ما لم يحدث هذه المرة، في سابقة وصفها بغير المفهومة.

وشدد رئيس الجماعة على أن المجلس انتخب ممثليه داخل مجموعة الجماعات الترابية للدفاع عن مصالح المدينة، معتبراً أن توقف الصيانة بهذا الشكل يطرح أكثر من علامة استفهام، خصوصاً أنها المرة الأولى التي تتخلى فيها الشركة عن الاستمرار في العمل خلال الفترة الفاصلة بين اتفاقيتين، سواء في عهدها الحالي أو في زمن شركة “راديم” سابقاً. ولوّح، بنبرة حازمة، بتغيير طبيعة التعاطي مع الشركة مستقبلاً باعتبارها “شركة” فقط، مطالباً البوكيلي، بصفته رئيس المجموعة وممثل المجلس داخلها، بإعداد تقرير مفصل حول آخر مجلس إداري، ونسبة إنجاز المشاريع المبرمجة لفائدة مكناس، وما إذا كانت قد أُنجزت أو جرى التخلي عنها، مؤكداً أن مسؤوليته الترافعية تفرض عليه تقديم معطيات دقيقة للمجلس.

ولم يتوقف لومغاري عند هذا الحد، بل حمّل البوكيلي جزءاً من مسؤولية الوضع الحالي، بحكم المهام التي كان يضطلع بها خلال الولاية السابقة تحت رئاسة جواد باحجي، معتبراً أن المكتب الحالي ورث قطاعاً مثقلاً بالاختلالات، ومقدماً في المقابل وعوداً بإصلاحه وتحسين خدماته لفائدة الساكنة.

في الجهة المقابلة، اختار محمد البوكيلي الرد باستحضار وقائع مرحلة التدبير السابقة، مذكّراً بأن الرئيس الحالي كان شريكاً في الإشراف على القطاع ذاته عبر تفويض مشترك في الأشغال والإنارة العمومية، حيث تولى هو منطقة المنزه–حمرية، فيما أشرف لومغاري على مناطق الزيتونة والإسماعيلية ومرجان. وأشار إلى أن تلك المرحلة عرفت تعثراً كبيراً، إذ لم يتم خلال ثلاث سنوات سوى إنجاز صفقة واحدة لاقتناء مصابيح الإنارة، بعد فشل صفقة أولى بسبب إفلاس الشركة الفائزة بها.

وأضاف أن الصفقة الثانية، التي همّت اقتناء ثلاثة آلاف مصباح، تزامنت مع تنظيم المعرض الدولي للفلاحة، وتم توجيهها أساساً نحو الشوارع الرئيسية، في وقت ظلت فيه أحياء عديدة تعيش في الظلام. أما الصفقة الثالثة، فقد أطلقت في نهاية الولاية السابقة بالتزامن مع سقوط المكتب المسير وتولي لومغاري رئاسة المجلس بتركيبته الجديدة، ملوّحاً بأن وجهة هذه المصابيح “معروفة”، دون الخوض في تفاصيل إضافية، بينما اضطرت ساكنة بعض الأحياء إلى تركيب مصابيح خارجية على نفقتها الخاصة لتعويض ضعف الإنارة.

وفي سياق متصل، كشف البوكيلي أن المجلس السابق كان قد اقتنع بضرورة البحث عن حل جذري لأزمة الإنارة العمومية، حيث أنجز مكتب دراسات دراسة تقنية بكلفة بلغت 120 مليون سنتيم، عُرضت نتائجها بمقر العمالة بحضور مسؤولين محليين، من بينهم الرئيس الحالي والسابق. وكان من المرتقب، وفق ما أفاد، الشروع سنة 2026 في تنزيل توصياتها، وعلى رأسها اعتماد التدبير المفوض للقطاع، متسائلاً عن أسباب تأخر إخراج هذا الملف رغم إدراجه في عدة دورات سابقة.

وبخصوص الاتهام الموجه إليه بالتدخل لدى الشركة الجهوية لإصدار تعليمات بوقف الدعم، نفى البوكيلي ذلك بشكل قاطع، مؤكداً أن للشركة إدارة عامة ومجلساً إدارياً يرأسه والي الجهة، وأن اختصاصاتها مضبوطة قانوناً، ولا يملك أي صلاحية للتدخل في قراراتها. وأضاف أنه لم يكن على علم بتوقف الاتفاقية، مشيراً إلى أن آليات تابعة لجماعات أخرى كانت تتدخل أحياناً لصيانة الإنارة داخل مكناس.

كما حمّل المسؤولية في تدهور القطاع للمكتب المسير السابق، الذي قال إنه لم يخصص الاعتمادات المالية الكافية، موضحاً أنه كان يطالب برصد ما لا يقل عن 400 مليون سنتيم، وهو مبلغ لا يكفي سوى لاقتناء ثلاثة آلاف مصباح، في حين أن الحاجيات الفعلية كانت تناهز عشرة آلاف مصباح.

وختم البوكيلي مداخلته بالتأكيد على أن المشاريع المرتبطة بمدينة مكناس، والتي تشرف عليها الشركة الجهوية فاس–مكناس للتوزيع، لا تزال في طور الإنجاز، مشيراً على وجه الخصوص إلى مشروع محطة معالجة المياه العادمة، الذي فُتحت أظرف صفقته مؤخراً، ويرتقب أن يساهم في سقي نحو مائة هكتار من المساحات الخضراء، مع إمكانية توسيع هذه المساحة مستقبلاً وفق الحاجيات، في وقت يبقى فيه ملف الإنارة العمومية أحد أبرز الاختبارات العملية لمدى قدرة الفاعلين المحليين على تجاوز صراعاتهم السياسية وترجمة وعودهم إلى حلول ملموسة على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى