صراع أمريكي أوروبي على الأبواب.. لماذا أضحت “جزيرة جرينلاند” هدف الرئيس ترامب؟

حسين العياشي

يعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجدداً إلى جدلية الحصول على جرينلاند، الإقليم التابع للدانمارك والذي يتمتع بالحكم الذاتي، وسط تصريحات مثيرة للجدل في البيت الأبيض حول إمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية إذا اقتضت الضرورة. هذه التلميحات، التي تتعلق بتحريك السلاح ضد حليف ضمن حلف شمال الأطلسي، أشعلت موجة من القلق في العواصم الأوروبية، ودفعت الدانمارك إلى التحذير من أن أي تدخل عسكري قد ينهار معه التحالف الأمني الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.

تبرز جاذبية جرينلاند بالنسبة لترامب في ثروتها الطبيعية الهائلة وموقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي، إلى جانب قلة سكانها، ما يجعلها نقطة محورية في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية. فالجزيرة تزخر بالماس والجرافيت والليثيوم والنحاس والنيكل والغاليم، إضافة إلى النفط والمعادن النادرة مثل النيوديميوم والديسبروسيوم، التي تتصدر الصين وروسيا إنتاجها عالمياً، وفق بيانات الجمعية الملكية للكيمياء. كما أن الولايات المتحدة لديها قاعدة عسكرية في الجزيرة منذ الحرب الباردة، تستخدم لمراقبة الفضاء والدفاع الصاروخي، وهو ما يزيد من أهميتها الاستراتيجية.

وفي بيان لها، أكدت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أن الاستحواذ على جرينلاند يمثل “أولوية للأمن القومي الأمريكي”، وأن الإدارة تبحث في جميع الخيارات المتاحة لتحقيق هذا الهدف، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية، وهو ما يضع تحركات واشنطن ضمن نطاق الردع الاستراتيجي في المنطقة القطبية.

على الجانب الآخر، تؤكد الدانمارك، التي تحتفظ بالمسؤولية عن الدفاع والسياسة الخارجية للجزيرة رغم حكمها الذاتي، أن جرينلاند ليست للبيع. فقد أعاد ترامب طرح مسألة الشراء خلال ولايته الثانية، ما أدى إلى توترات دبلوماسية، بينما شددت الحكومة الدانماركية على استمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة وزيادة الاستثمارات المحتملة في التعدين، إلى جانب رفع الإنفاق على أمن القطب الشمالي بنحو 13.7 مليار دولار العام الماضي.

ردود الفعل الأوروبية كانت حازمة، إذ أصدرت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا، بدعم من الدانمارك وكندا وهولندا، بياناً مشتركاً أكد أن “حدود الدول غير قابلة للانتهاك” وأن أي قرار يتعلق بالجزيرة يعود حصراً إلى سكانها والدانمارك بالخصوص.

أما سكان جرينلاند، الذين يبلغ عددهم نحو 57 ألف نسمة، من بينهم نحو 90% من السكان الأصليين من الإينويت، فأبدوا معارضة واسعة لأي محاولة للضم أو الاستحواذ الأمريكي، وفق استطلاعات محلية ودنماركية. ورغم ترحيب القيادة المحلية بالاستثمارات الأجنبية، فإنها تؤكد عدم رغبتها في تغيير سلطة الإشراف. وفي مؤتمر صحفي، دعا رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، مواطنيه إلى الهدوء والوحدة، مؤكداً أن “الوضع لا يسمح للولايات المتحدة بغزو الجزيرة بين ليلة وضحاها، وأننا نسعى إلى تعاون جيد ومستقر”.

في النهاية، تبدو طموحات ترامب في ضم جرينلاند مجابهة بعقبات سياسية ودبلوماسية وشعبية كبيرة، تجعل من أي خطوة من هذا النوع احتمالاً صعب التحقيق، وسط حرص دولي على الحفاظ على استقرار التحالفات والحدود في المنطقة القطبية، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية والموارد الطبيعية النادرة مع الحقوق السيادية للشعوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى