صفقات مزيفة ومستوردات وهمية.. تسريبات تكشف شبكة فساد داخل وزارة التربية

حسين العياشي
شرعت غرفة جرائم الأموال في محاكمة المديرة السابقة لأكاديمية التربية بالرباط، في ملف أثار جدلاً واسعاً بعد تحقيقات استمرت لسنوات طويلة أشرفت عليها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية. القضية تتعلق بطريقة تدبير جزء من المليارات المخصصة لصفقات البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، والتي انكشفت بعد تسريب مكالمات هاتفية منسوبة للتجيانية فرتات، المديرة السابقة للأكاديمية.
ركزت التحقيقات على صفقات شراء العتاد الديداكتيكي، المعدات التعليمية التي تبين لاحقاً أنها إما غير صالحة للاستخدام، أو اختفت بطريقة غامضة من المستودعات أو من المؤسسات التعليمية التي كانت مخصصة لها. واستمع المحققون إلى عدد من المسؤولين المرتبطين إدارياً أو محاسبياً بهذه الصفقات، في إطار محاولات تحديد المسؤوليات ومكامن الاختلال.
ومن خلال مراجعة بيانات التوريد، كشفت التحقيقات عن معطيات خطيرة تضمنت التلاعب بالوثائق وشواهد الاستيراد، حيث تبين أن كميات كبيرة من العتاد التي سُجلت على أنها مستوردة، كانت في الواقع صُنعت محلياً في ورشات بأحياء شعبية، قبل إدراجها ضمن صفقات البرنامج على أنها معدات جديدة.
ولم تقتصر التسريبات على المسائل التقنية، بل تضمنت أسماء مسؤولين كبار في وزارة التربية الوطنية، إلى جانب مدراء أكاديميات ونواب، ورجال أعمال من دول خليجية وإفريقية متورطين في إدخال معدات مستعملة لإعادة تدويرها وبيعها ضمن الصفقات مقابل عمولات ورشاوى. وكانت هذه المعطيات متطابقة مع الشكايات المقدمة من جمعيات حماية المال العام، والتي كشفت أن جزءاً كبيراً من المعدات تحولت إلى متلاشيات، وأن مختبرات ومعدات بمبالغ هائلة بلغت 24 مليون سنتيم للمختبر الواحد، استخدمت لتخزين الملابس والأحذية بدلاً من تقديم خدمات تعليمية للتلاميذ.
كما أظهرت التسريبات تهديدات جنائية ومحاولات للإيقاع بمسؤولين آخرين، عبر تجميع أدلة ووعود مالية أو شراء شقق، في إطار تصفية حسابات شخصية، إضافة إلى الكشف عن الطريقة التي كان يتم بها “طبخ” الصفقات والتحكم في مسارها قبل التأشير عليها من المسؤولين المعنيين.
وأبرزت التحقيقات ثغرة كبيرة في الحكامة، إذ ظلت المفتشية العامة للوزارة غائبة عن مراقبة هذه الصفقات قبل انكشاف الفضيحة، مما سمح بتحويل مبالغ ضخمة وشراء معدات مقلدة أو معاد تدويرها وادراجها ضمن البرنامج الاستعجالي على أنها مطابقة للمواصفات. كما تبين أن الافتحاص السابق اقتصر على الوثائق دون التحقق فعلياً من طبيعة المعدات أو مراقبة الوجهة النهائية لأموال البرنامج، بما في ذلك صفقة شراء 500 سيارة، التي كان المفتش العام على علم بكل تفاصيلها.
في النهاية، يشير الملف إلى حجم الاختلالات المالية والإدارية التي رافقت البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم، ويضع مؤسسات الرقابة والمساءلة أمام تحديات جسيمة لضمان استرجاع الأموال العامة ومعاقبة المتورطين، بما يحفظ المال العام ويعيد الثقة في منظومة التعليم العمومي.





