عمدة طنجة يستغل السياسة لتلميع صورة متهم بدل احترام مسطرة القضاء

حسين العيتاشي

في طنجة، تتفاقم تداعيات قضية تحولت إلى اختبار حقيقي لهيبة القانون وحدود المسؤولية السياسية، بعدما وجد أحد المقربين من عمدة المدينة نفسه في قلب تحقيق قضائي، على خلفية شكايات متعددة دفعت النيابة العامة إلى استدعائه وتعميق البحث في أفعال وُصفت بالخطيرة. تحقيق ما زال مفتوحاً، يميط اللثام عن خروقات جسيمة لقواعد وضوابط تداول المعطيات، ويضع الإدارة التحريرية المعنية لمنبر إعلامي يسيره خلف الكواليس تحت مجهر المساءلة، فيما يترقب الرأي العام كلمة القضاء باعتبارها الفيصل الوحيد.

غير أن الصدمة الكبرى لم تصدر عن مجريات التحقيق، بل عن السلوك السياسي لعمدة المدينة، منير ليموري. فبدل التحلي بالتحفظ واحترام مسار العدالة، اختار العمدة الاصطفاف العلني إلى جانب المشتكى به، مستغلاً موقعه السياسي والحزبي لتلميع صورته، وإبرازه بشكل لافت في صور رسمية نُشرت على الموقع الرسمي للجماعة. خطوة اعتُبرت استفزازاً مباشراً للرأي العام، ورسالة ملتبسة في توقيت حساس، قبل أن تُحذف الصور لاحقاً في محاولة متأخرة لاحتواء الغضب، بعد أن كانت قد أدت وظيفتها الإعلامية وألحقت ضرراً معنوياً لا يمكن تداركه بسهولة.

هذا السلوك لا يمكن قراءته إلا باعتباره انحيازاً فاضحاً لمصالح شخصية ضيقة، وضرباً صريحاً لمبدأ الحياد الذي يفترض أن يلتزم به أي مسؤول. فالعمدة، بدل أن يضع مسافة أخلاقية وقانونية بينه وبين شخص تلاحقه الشبهات، فضّل توظيف رمزية المنصب لتبييض صورة المقرب منه، في تجاهل صارخ لسمعة المدينة ولحق ساكنتها في إدارة محلية تحترم قواعد النزاهة والمساءلة.

وتزداد خطورة هذا المشهد مع احتضان طنجة لفعاليات كأس أمم إفريقيا، وهو استحقاق قاري كان يفترض أن يستنفر جهود المسؤولين المحليين ويضع المدينة في صدارة الاهتمام، من حيث التنظيم والانضباط والصورة العامة. غير أن الواقع يكشف أولويات مختلة، حيث بدا أن الانشغال بتلميع الأفراد طغى على الاهتمام بصورة “عروس الشمال”، التي فقدت خلال هذه الولاية جزءاً من بريقها وحضورها، وسط تساؤلات متصاعدة حول الكفاءة وحسن تدبير الشأن المحلي.

القضية، في عمقها، أبعد من مجرد ملف قضائي عابر؛ إنها مؤشر مقلق على تداخل السياسة بالإعلام، وعلى سهولة توظيف النفوذ لخدمة حسابات شخصية، في تحدٍ غير معلن لمنطق القانون. وفي انتظار ما ستقوله العدالة كلمتها، يظل الرأي العام في حالة يقظة، رافضاً كل أشكال التواطؤ الرمزي مع الشبهات، ومطالباً بأن يسود القانون دون انتقائية أو محاباة، وأن تستعيد الإدارة المحلية معناها الحقيقي القائم على المسؤولية والشفافية وخدمة الصالح العام، لا حماية المقربين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى