عمرة رمضان.. حين تتحول رحلة العبادة إلى مصيدة نصب

بشرى عطوشي

مع كل اقتراب لشهر رمضان، ترتفع وتيرة الإقبال بالمغرب على وكالات الأسفار من أجل حجز رحلات العمرة، في مشهد سنوي يختلط فيه الشوق الديني بالأمل في زيارة الديار المقدسة. غير أن هذا الموسم الروحاني، الذي يفترض أن يكون مناسبة للطمأنينة، يتحول في حالات متكررة إلى مأساة اجتماعية، بسبب انتشار شكايات مرتبطة بعمليات نصب واحتيال تمارسها بعض الوكالات أو الوسطاء الذين يستغلون رغبة المواطنين في أداء العمرة، وخصوصاً عمرة رمضان التي تعرف ضغطاً كبيراً وطلباً مرتفعاً.

فبين عروض مغرية وأسعار “استثنائية”، يجد العديد من المغاربة أنفسهم ضحايا وعود سرعان ما تتبخر، لتتحول الرحلة من عبادة إلى صدمة مالية ونفسية، ومن حلم إلى كابوس.

عروض مغرية.. واختفاء في اللحظة الحاسمة

تعتمد بعض الوكالات المشبوهة على أسلوب الإعلانات المكثفة، خصوصاً عبر فيسبوك وواتساب، حيث يتم الترويج لعمرة رمضان كفرصة “لن تتكرر”، مع وعود بفنادق قريبة من الحرم، وخدمات نقل مريحة، وتأشيرة مضمونة، وأثمنة تقل كثيراً عن الأسعار الحقيقية.

وفي حالات عديدة، يتم جمع مبالغ مالية كبيرة من المواطنين بدعوى أن المقاعد محدودة وأن الدفع يجب أن يكون “مسبقاً وبشكل عاجل”، قبل أن يتفاجأ الزبائن بتأجيلات متكررة، ثم اختفاء المسؤولين أو انقطاع التواصل، دون تذاكر أو تأشيرات أو حتى تفسير.

أحد الضحايا صرّح قائلاً:
“بعنا ذهب زوجتي وسددنا المبلغ كاملاً، وكانوا يقولون لنا الأمور جاهزة.. ثم فجأة أغلق المكتب واختفى المسؤول، وبقينا أمام أبنائنا بلا مال وبلا عمرة”.

نصب من نوع آخر.. السفر يتم لكن الوعود تنهار

في المقابل، لا يتوقف الأمر عند النصب الكلي، بل يظهر نوع أخطر من “الاحتيال المقنّع”، حيث يتم السفر فعلاً، لكن المعتمرين يصطدمون عند الوصول بواقع مختلف تماماً عن الاتفاق: فنادق بعيدة، غرف مكتظة، انعدام النقل، غياب التنظيم، أو تراجع واضح في مستوى الخدمات مقارنة بما تم الترويج له.

إحدى المعتمرات تقول:
“قالوا لنا الفندق على بعد دقائق من الحرم.. لكن وجدناه بعيداً جداً، وكنا نمشي مسافات طويلة وسط الزحام والإرهاق، ولم يكن هناك نقل كما وعدونا”.

في هذه الحالات، يشعر الضحايا بأنهم وقعوا في فخ مزدوج: دفعوا المال، وسافروا، لكنهم لم يحصلوا على الحد الأدنى من الراحة التي وعدوا بها، ما يجعل العمرة أقرب إلى معاناة منهكة بدل تجربة روحانية.

رمضان.. موسم مثالي للمحتالين

يرى متابعون أن عمرة رمضان تشكل فرصة ذهبية للمحتالين بسبب عاملين أساسيين:
أولاً، الضغط الكبير على الحجوزات وارتفاع الأسعار، مما يجعل المواطن يبحث عن أي عرض أقل كلفة.
وثانياً، العامل النفسي والديني، حيث يستحي الكثيرون من التشكيك في من يقدم نفسه كمنظم “رحلات دينية”، أو يستغل خطاباً دينياً لإقناع الضحايا بسرعة الدفع.

ويزداد الخطر عندما يتم التعامل دون عقد واضح، أو عندما تُحوّل الأموال إلى حسابات شخصية أو وسطاء، ما يجعل استرجاعها لاحقاً شبه مستحيل.

الضحايا يتزايدون.. والثقة في القطاع تهتز

تكرار هذه الوقائع سنوياً خلق حالة من فقدان الثقة لدى المواطنين، ليس فقط تجاه الوكالات غير المرخصة، بل حتى تجاه القطاع ككل، وهو ما يضع السلطات والجهات الوصية أمام ضرورة التعامل مع الظاهرة باعتبارها مشكلة موسمية تتكرر، وليست مجرد حالات فردية معزولة.

كما أن الضرر لا يكون مادياً فقط، بل يمتد إلى الأثر النفسي، لأن الضحية يشعر أنه لم يخسر المال فقط، بل خسر فرصة دينية ثمينة كان ينتظرها منذ سنوات.

حلول وإجراءات ضرورية لضمان حقوق المعتمرين

أمام هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إجراءات عملية صارمة يمكن أن تقلص الظاهرة بشكل كبير، من بينها:

إلزام الوكالات بعقد موحد مفصل يتضمن الفندق وموقعه وتصنيفه، نوع التذاكر، النقل، وعدد الخدمات بدقة.

منع تسلم أي مبلغ دون فاتورة رسمية وربط الأداء بحساب بنكي باسم الوكالة وليس باسم شخص.

فرض ضمان مالي أو تأمين إلزامي يعوض الضحايا عند الإخلال بالعقد أو إلغاء الرحلة.

إنشاء منصة رسمية للتحقق من الوكالات تمكن المواطن من التأكد من الترخيص والشكايات السابقة.

مراقبة صارمة للإعلانات الرقمية ومنع أي إعلان عمرة دون رقم الترخيص الرسمي.

إحداث خط ساخن موسمي خلال شعبان ورمضان للتبليغ السريع عن العروض المشبوهة قبل وقوع الضحايا.

المواطن أيضاً مسؤول.. وهذه أهم قواعد الحماية

إلى جانب دور المؤسسات المعنية بحماية الضحايا، يبقى وعي المواطن أساسياً، وأهم ما يجب فعله قبل أي تعاقد هو:

عدم الوثوق في السعر “الرخيص بشكل غير منطقي”.

عدم تسليم جواز السفر دون عقد قانوني واضح.

طلب وثائق الفندق والطيران والتأشيرة كتابة.

الاحتفاظ بكل المراسلات والإيصالات كوسائل إثبات.

العمرة ليست سلعة.. بل أمانة

إن استمرار ظاهرة النصب في عمرة رمضان يطرح سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون قانونياً: كيف يتحول موسم العبادة إلى موسم ضحايا؟ وكيف تصبح رحلة روحانية مجالاً للاستغلال والاحتيال؟

فالعمرة ليست مجرد خدمة سياحية، بل أمانة دينية وإنسانية، وأي تهاون في تنظيمها أو مراقبتها لا يعني فقط خسارة أموال المواطنين، بل يعني ضرب ثقتهم في المؤسسات وفي حقهم في أداء شعائرهم بأمان وكرامة.

ويبقى الحل الحقيقي في تشديد الرقابة، وتفعيل الردع، ورفع مستوى التوعية، حتى لا يتكرر المشهد ذاته كل رمضان: معتمرون ضحايا، ووكالات تختفي، وأحلام تتبخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى