عندما يُهدَّد الوطن: سقوط التفوق الرمزي وصعود منطق الإصطفاف

فؤاد يعقوبي مختص في علم النفس الاجتماعي في السياق المغربي


حين يتعرض الوطن لتهديد مباشر، لا يختفي منطق المراتب العلمية ولا المعايير الأخلاقية المجرّدة، لكنه يفقد مركزيته الوظيفية، ويتراجع قسرًا لصالح منطق أعمق رسوخًا في البناء النفسي والاجتماعي للإنسان: منطق البقاء الجماعي. في هذه اللحظة الحرجة، لا يعود الفرد فاعلًا بصفته أكاديميًا، أو مثقفًا، أو حاملًا لرأسمال رمزي، بل يتحول إلى عضو داخل جماعة مهدَّدة، تحكمه أولويات الوجود قبل اعتبارات التقييم.

يفسر علم النفس الاجتماعي هذا التحول من خلال نظرية الهوية الاجتماعية (Tajfel & Turner)، حيث إن الهوية الوطنية، عندما تكون في وضع آمن ومستقر، تسمح بتعايش أدوار متعددة: عالم، مثقف، ناقد، أخلاقي. غير أن استهداف الجماعة يفرض منطقًا مغايرًا، إذ تتحول الهوية الوطنية إلى الهوية المهيمنة، وتطغى على باقي الهويات الفرعية. في هذا السياق، تُعلَّق مؤقتًا اعتبارات التفوق العلمي، والتهذيب الخطابي، بل وحتى بعض الضوابط الأخلاقية، لأن الأولوية القصوى تصبح الدفاع عن الوجود الرمزي والمادي للجماعة.

نفسيًا، ما يحدث لا يمكن اختزاله في قلة تربية أو انحدار أخلاقي بالمعنى السطحي المتداول، بل هو استجابة انفعالية جماعية تُعرَف في الأدبيات النفسية بـ الاستنفار الدفاعي. هذه الاستجابة تُفعِّل الجهاز الانفعالي أكثر من الجهاز التحليلي، وتُعيد ترتيب منظومة القيم: فالسلوكات التي كانت تُصنَّف فضائل—كالهدوء، والموضوعية، والتحفظ—قد يُعاد تأويلها في لحظة الخطر باعتبارها ترددًا أو برودًا أو حتى تخاذلًا.

اجتماعيًا، يُعاد إنتاج معايير الشرعية ذاتها. فالشرعية لا تُمنح في زمن التهديد لمن هو أكثر علمًا أو «أكثر تهذيبًا»، بل لمن هو أكثر التزامًا بالجماعة وأكثر استعدادًا للدفاع عنها. ومن هنا ينبع سوء الفهم الشائع، حيث يُؤوَّل هذا السلوك الدفاعي بوصفه انحطاطًا أخلاقيًا، في حين أنه في جوهره انتقال من أخلاق الفرد إلى أخلاق الجماعة، ومن منطق القيم المجرّدة إلى منطق الضرورة.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذا التحول في حد ذاته، بل في إدامته خارج سياق التهديد. فعندما يستمر تعليق العلم والأخلاق بعد زوال الخطر، يتحول الدفاع عن الوطن إلى ذريعة للفوضى الرمزية والعنف الخطابي. أما في لحظة التهديد نفسها، فإن هذا التعليق المؤقت لا يُعد إنكارًا للقيم، بل إعادة ترتيب لأسبقياتها.

وبناءً عليه، فإن الدفاع عن الوطن في لحظات الخطر لا يُقاس بمدى الالتزام بالتراتبية العلمية ولا بالمعايير الأخلاقية الهادئة، بل بقدرة الفرد على الاصطفاف الوجودي مع جماعته. إنها لحظة تُستدعى فيها الغريزة الجماعية قبل العقل التحليلي، دون أن يعني ذلك إلغاء العقل أو نفي القيم، وإنما وضعهما في الخلفية إلى أن يمرّ التهديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى